ا |ب |ت |ث |ج |ح |خ |د |ذ |ر |ز |س |ش |ص |ض |ط |ظ |ع |غ |ف |ق |ك |ل |م |ن |ه |و |ي
 طباعة

الغاية

المصدر: المعجم الفلسفي، د. جميل صليبا، 1982

في الفرنسية Fin
في الإنكليزية End, Purpose
في اللاتينية Finis
1- الغاية (Fin) ما لأجله وجود الشيء، وتطلق على الحد النهائي الذي يقف العقل عنده، وعلى التمام أو الكمال المقصود تحقيقه، والمصير المراد بلوغه. وقد تطلق كذلك على الغرض، ويسمّى علة غائبة، وهي ما لأجله أقدم الفاعل على الفعل، وهي ثابتة لكل فاعل يفعل بالقصد والاختيار، وتنقسم إلى غاية قريبة وغاية بعيدة، وغاية قصوى، ويقابلها الوسيلة.
قال ابن سينا: "والغاية بما هي شيء فإنها تتقدم سائر العلل، وهي علة العلل في أنها علل... وذلك لأن سائر العلل إنما تصير عللاً بالفعل لأجل الغاية، وليست هي لأجل شيء آخر... ويشبه أن يكون الحاصل عند التمييز هو أن الفاعل الأول والمحرك الأول في كل شيء هو الغاية" (النجاة، ص 345).
وقد تطلق الغاية على كل مصلحة أو حكمة تترتب على الفاعل من حيث إنها على طرف الفعل ونهايته، وتسمّى فائدة أيضاً. فهما أي الغاية والفائدة متحدتان ذاتاً، مختلفتان اعتباراً، والفرق بين الغاية بمعنى الغرض، والغاية بمعنى الفائدة، إن الثانية أعم من الأولى لوجودها في الأفعال الاختيارية وغير الاختيارية، على حين أن الغاية بمعنى الغرض لا توجد إلا في الأفعال الاختيارية. والدليل على ذلك أن الفلاسفة قد يطلقون الغاية على ما يتأدّى اليه الفعل، وإن كان غير مقصود بالاختيار. وهكذا يثبتون للقوى الطبيعية غايات، مع أنه لا شعور لها ولا قصد، مثال ذلك قولهم: إن غاية الأسنان قضم الطعام، وغاية المعدة هضمه. إلخ.
وجملة القول إن للغاية معنين (أحدهما) هو القول: إن الغاية نهاية الفعل في الزمان، وحده الأقصى في المكان، وهي بهذا المعنى مقابلة للابتداء ( والآخر) هو القول: إن الغاية هي الغرض الذي من أجله يقدم الفاعل على الفعل، والجهة التي يتوجه اليها في حركته ونزوعه، وهي بهذا المعنى مقابلة للوسيلة.
2- الغاية بذاتها (Fin en soi). الغاية بذاتها عند (كانت) هي الغاية الموضوعية الثابتة، وهي ضرورية ومطلقة، بخلاف الغاية الذاتية أو الفردية التي من أجلها تقدم الإرادة على الفعل، فهي نسبية، ومتغيرة، لا تنطوي على قيمة كلية ثابتة. مثال ذلك أن الإنسان من حيث هو موجود واقعي يمكن أن يكون له غايات متغيرة.
إلا أنه من حيث طبيعته المثالية يجب أن يكون له غاية واحدة مطلقة ضرورية.
3- عالم الغايات (Régne des fins).
عالم الغايات عند (كانت) مقابل لعالم الطبيعة، وهو مشتمل على قوانين موضعية مشتركة تنسق علاقات الموجودات العاقلة، إنّ من خصائص الموجود العاقل تصوّر الغايات، فإذا كان العقل غير خاضع لشرط أمكن اعتبار الموجود العاقل غاية بذاته، فعالم الغايات إذن هو العالم الذي يكون فيه كل موجود عاقل غاية بذاته، شريطة أن يضع شريعته بنفسه، وأن يحترم الكرامة الإنسانية في شخصه، وفي أشخاص بني الإنسان جميعاً.
ومعنى ذلك كله أن عالم الغايات هو العالم الذي يحدد واجبات أفراده تحديداً موضوعياً، وهو عالم مثالي، إلا أن (كانت) يقول إنه يمكن تحقيق هذا العالم تحقيقاً عملياً بطريق الحريّة.
4- الغائي(Final). الغائي هو المنسوب إلى الغاية، تقول: العلة الغائية، أي العلة التي من أجلها وجد الشيء، مثال ذلك أن العلة الغائية لفرض الضرائب تحصيل المال الذي تحتاج إليه الدولة، وأن العلة الغائية لتعليم العلوم تثقيف العقل، وزيادة سيطرة الإنسان على الطبيعة.
والعلة الغائية (Cause finale) مقابلة للعلة الفاعلة، والفرق بينهما أن العلة الفاعلة متقدمة على المعلول بالزمان، على حين أن الغاية متأخرة في الوجود عن الوسيلة، وإن كانت متقدمة عليها في التصور، وهي، كما قيل، علة تمامية، لا يمكن تحقيقها بالفعل إلا بعلل فاعلة.
قال (غوبلو): إن معنى العلة الغائية لا يوضح مسألة الاستقراء بل يضيف إليها شبهة جديدة، إذ كيف يعقل أن تكون الوسيلة علة الغاية، وأن تكون الغاية في الوقت نفسه علّة للوسيلة. فالغائية مبنية على السببية، كما أن الاستقراء ضروري للتأويل الغائي، فلا يعقل إذاً أن تكون الغاية أساساً لأمر لا تقوم هي نفسها إلا عليه (انتهى).
ومعظم الفلاسفة الذين يقولون بالعلل الغائية يذهبون إلى أن كل ظاهرة من ظواهر هذا العالم جزء من مخطط عام وضعه صانع حكيم، أو عقل مدبر. وسبب ذلك أنهم رأوا أن بعض ظواهر الطبيعة تعمل على تحقيق غاية واحدة، وأن بعضها الآخر رتب ترتيباً محكماً في نظام معقول متفق مع حاجة كل موجود، كأن كل شيء في العالم بقدر، وكأن الغاية القصوى لهذا النظام تحقيق الخير في الوجود.
وقد أسرف بعضهم في تعليل الظواهر الطبيعية بالأسباب الغائية حتى نسبوا إلى الطبيعة مقاصد وغايات لا وجود لها إلا في أذهانهم. قال (برغسون): "من العبث أن نعين للحياة غرضاً بالمعنى الإنساني لهذه الكلمة، لأن كل من يقول بوجود غرض معين، فهو إنما يفكر في وجود نموذج سابق لا يعوزه، سوى التحقيق الفعلي.
ومعنى ذلك في حقيقة الأمر أنك تفرض كل شيء متحققاً في الوجود دفعة واحدة، وأن المستقبل يمكن أن يقرأ في الحاضر. ومعنى ذلك أيضاً أن الحياة في حركتها وتكاملها تتصرف كعقلنا تماماً. مع أن هذا العقل ليس سوى منظر ساكن، ومجزأ، التقط من الحياة، ومكانه بالطبع خارج الزمان" (H.Bergson, L'évolution créatrice p. 55).
5- الغائية (Finalité). الغائية اسم لكون الشيء ذا غاية، وهي نوع من السببية، ولها أقسام، وهي: الغائية الصورية، والغائية المادية، والغائية الداخلية، والغائية الخارجية.
أما الغائية الصورية (Finalité formelle) فهي الغائية القصدية (Intertionnelle)، وهي في الإنسان فاعلية واعية توجب معرفته بالغاية المراد بلوغها.
وأما الغائية المادية (Finalité matérielle) فهي الغائية الطبيعية (naturelle) التي نجدها في أجسام الأحياء، أو في الآلات التي صنعها الإنسان، فهي تعمل على تحقيق بعض الغايات، من غير أن تكون عالمة بها.
وأما الغائية الداخلية (Finalité interne) فهي كون أجزاء الشيء تابعة لطبيعة ذلك الشيء من جهة ما هو كل، فإذا قلنا: إن لشيء ما غاية، عنينا بذلك أن أجزاءه محدودة في صورتها، وفي وظيفتها، وفي علاقتها بمجموعه العام، وأحسن مثال يدل على هذه الغائية ما بين الأجزاء والكل في جسم الكائن الحي من علاقات مشتركة.
وأما الغائية الخارجية (Finalité externe) فهي علاقة بين موجودين مختلفين يكون أحدهما غاية والآخر وسيلة، قال (كانت): " أعني بالغائية الخارجية ما به يصلح أن يكون أحد الأشياء الطبيعية وسيلة لغيره في سبيل تحقيق غاية".
(ر: Kant, critique du jugement, 82)
6- مبدأ الغاية (Principe de finalité).
مبدأ الغائية هو القول: إن كل موجود فهو يفعل لغاية، وإن الغايات الجزئية في هذا العالم مرتبطة بغاية كلية، وهذا المبدأ هو المبدأ الذي بني عليه اثبات وجود الله بالدليل الغائي (Preuve téléologique) لأنك إذا قلت إن لكل موجود غاية، وإن جميع الأشياء منظمة ومرتبة لغاية، وجب عن ذلك ضرورة أن يكون هنالك موجود عاقل يوجّه الأشياء الطبيعية كلها إلى غايته، وهذا الموجود العاقل هو الله.
وللفلاسفة إزاء مبدأ الغائية موقفان: أحدهما موقف القائلين بضرورته للعلم، والآخر موقف القائلين بعدم الحاجة اليه، إلا في الأفعال البشرية.


7- المذهب الغائي (Finalisme).
المذهب الغائي مقابل للمذهب الالي (ر: الالية)، ويطلق على كل نظرية تعلل ظواهر الوجود بالأسباب الغائية، فإذا اقتصر التعليل على تفسير ظواهر الحياة فقط سمي المذهب الغائي بالمذهب الحيوي (Vitalisme)، أو الحيوية، وهي القول إن عمليات الكائن الحي العضوية تقوم على قوة موجهة نحو غاية معيّنة، وهي تحقيق نموذج الكائن الحي أو صورته. وإذا عم التعليل بالاسباب الغائية جميع مظاهر الوجود سمي المذهب الغائي بمذهب الغائية الكلية (Téléologie)، والمقصود بالغائية الكلية أن العالم بأسره جملة من العلاقات بين الغايات والوسائل، وقد يراد به أيضاً علم الغايات الإنسانية (Science des fins humaines).