ا |ب |ت |ث |ج |ح |خ |د |ذ |ر |ز |س |ش |ص |ض |ط |ظ |ع |غ |ف |ق |ك |ل |م |ن |ه |و |ي
 طباعة

بروكلمن (كارل)

المصدر: موسوعة المستشرقين للدكتور عبد الرحمن بديوي، 1992

CARL BROCKELMANN
(17/9/1868 – 6/5/1956)
من ذا الذي يمكن أن يستغني عن «تاريخ الأدب العربي» GAL بأجزائه الخمسة، تصنيف كارل بروكلمن؟! إنه لا يزال حتى الآن المرجع الأساسي والوحيد في كل ما يتعلق بالمخطوطات العربية وأماكن وجودها.
ولد كارل بروكلمن في 17 سبتمبر 1868 في مدينة روستوك (Rostock) وكان أبوه (ولد في 13/101826 وتوفي في 31 مارس 1897) تاجراً يتجر فيما يسمى سلع المستعمرات Kolonialwaren. وكانت أمه، كما قال عنها في ترجمته الذاتية «سيدة موهوبة روحَّيا، ومنها ورثت ميولي العلمية» (مجلة Oriens جـ 27 ـ 28، ص 12، ليدن 1981)، وهي التي فتحت لابنها آفاق الأدب الألماني. لكن ساءت الأحوال المالية لأبيه فعاشت الأسرة في ضيق.
وفي المدرسة الثانوية في روستوك بدأت تظهر ميوله إلى الدراسات الشرقية. يقول بروكلمن: «وفي الصفوف العليا (من المدرسة الثانوية) تجلّت الميول، التي ستسيطر على حياتي، بكل وضوح. وكانت هناك جمعية للقراءة تجتمع مرتين في الأسبوع: في يوم الأربعاء كنا نقرأ مجلة «الجلوبس» («الكرة الأرضية»)، وفي يوم السبت نقرأ مجلة «العالم الخارجي» Ausland، وهاتان المجلتان كانتا أبرز المجلات الجغرافية: وكان ذلك الوقت هو وقت الاكتشافات الجغرافية العظيمة في آسيا وإفريقية. وعن هذا الطريق ارتبط خيالي بالمشرق. وكنت أهتم في المقام الأول بما يرد فيهما من أخبار عن اللغات. ولهذا فإنني وأنا لا أزال تلميذاً في المدرسة الثانوية وضعت مشروعاً لكتاب نحو لهجة البانتو التي كان يتكلم بها في المستعمرة البرتغالية: أنجولا، وقد احتفظت بهذا المخطط وقتاً قليلاً. وكانت أشد أمانيّ إلحاحاً عليّ أن أعيش فيما وراء البحار، وشجع على هذه الأمنية الأحوال السائدة آنذاك في روستوك. ذلك أنه بسبب انحدار حياة الأعمال في روستوك، فقد سعى الكثيرون من التجار إلى العمل فيما وراء البحار». (ترجمته الذاتية، الموضع المذكور، ص 20. وكان أمله أن يعمل فيما وراء البحار طبيباً على ظهر سفينة، أو ترجماناً، أو مبشراً دينياً. ولهذا السبب كان يحضر دروس الأستاذ نرجر Nerger معلم اللغة العربية في تلك المدرسة الثانوية، ويقول إنه أتقن العبرية إلى درجة أنه استطاع أن يترجم، في امتحان العبرية في البكالوريا، نصاً عبرياً من سفر «عموص» غير مشكول ترجمة تلقائية شفوية. كذلك بدأ يدرس اللغة الآرامية الكتابية واللغة السريانية وهو لا يزال طالباً في الثانوي.
والتحق بجامعة روستوك في ربيع 1886، لكنه كما قال: «درستُ ـ إلى جانب الشرقيات ـ الفيلولوجيا الكلاسيكية (اليونانية واللاتينية) والتاريخ، حتى أستطيع التقدم لامتحان التدريس العالي، لأن الشرق بدا لي أنه لا يؤمن لي مستقبلاً. وكان أستاذ الفيلولوجيا الكلاسيكية هناك هو الأستاذ ليو Leo المتخصص في اللاتينية، وسألتقي به بعد ذلك في اشتراسبورج». (المرجع نفسه ص 21). وهنا درس العربية والحبشية على الأستاذ فلبّي philippi. وقد نصحه فلبي بالانتقال إلى جامعة برسلاو لحضور دروس الأستاذ بريتوريوس Praetorius. فسافر بروكلمن إلى برسلاو في ربيع 1887. وحضر دروس بريتوريوس في العلوم الشرقية طوال فصلين دراسيين، وكذلك حضر دروس فرينكل Traenkel في اللغات الهندية الجرمانية.
وبناءً على نصيحتي فلبي وبريتوريوس انتقل بروكلمن في ربيع 1888 إلى اشتراسبورج لحضور دروس نيلدكه، «وعنده تعلمت الكثير جداً» كما قال (المرجع نفسه ص 23). وفي الفصل الدراسي الأول حضر ـ إلى جانب دروس نيلدكه في الشرقيات ـ دروس هوبشمن Hübschmann في اللغة السنسكريتية واللغة الأرمنية، ودروس دومشن J.Dümischen في اللغة المصرية، القديمة. «وكان الثلاثة يلقون دروسهم في منازلهم الخاصة. وعند هوبشمن كان معي زميل متخصص في الفيلولوجيا الكلاسيكية ما لبث أن ترك الدراسة، ومع راهبين أرمنيين أرادا الحصول على الدكتوراه مع هوبشمن، وعند دومشن كان يزاملني يهودي غنيّ يدعى اشبيجلبرج Spiegelberg، حصل بعد ذلك على الدكتوراه من جامعة اشتراسبورج. لكني لاحظت مع الأسف أن دومشن كان لا يفهم من اللغة المصرية القديمة إلاّ القليل جداً، مع أن هذه اللغة هي السبب في حضوري عنده، ذلك أنه كان عالم آثار فقط. ولهذا تركت محاضراته بعد فصلين دراسيين. وعلى العكس من ذلك كان هوبشمن جذاباً ومثيراً. حتى إنني أفكرت فترة من الزمن، في أن أتخصص في الدراسات الهندية الجرمانية، لكنه صرفني عن ذلك، لأن جميع الكراسي في الجامعات كانت مشغولة آنذاك بأساتذة شباب، ولهذا فإن هذا التخصص لم يكن يفتح على أفق واسع».
وفي اشتراسبورج تعرّف إلى مدير القسم الشرقي في المكتبة، وهو أوتينج Euting، ولم يكن أوتينج ـ فيما يقول بروكلمن ـ عالماً كبيراً، ولكنه استطاع القيام بمغامرة كادت تودي بحياته، في شبه الجزيرة العربية بحثاً عن نقوش عربية. وكان يلقي في بيته دروساً عن النقوش العربية والخط العربي. ويقول بروكلمن إنه يدين له بكونه يكتب خطاً جميلاً جداً.
وأمضى صيف 1890 مدرساً خصوصياً في بيت العالم الفسيولوجي جلوتس Glotz في منزله الريفي في نويدورف Neudorf.
وفي أول أكتوبر 1890 عُيِّن مدرساً في المدرسة البروتستنتية في اشتراسبورج أولاً تحت التمرين Probandes وبعد ذلك مدرساً مساعداً. وفي نفس الوقت واصل دراساته العربية. وبدعوة من نيلدكه ـ وكان قد قرأ معه في شتاء 1888/9 القسم الأول من «ديوان لبيد» الذي نشره الخالدي في فيينا ـ نشر الترجمة الألمانية التي قام بها أنطون هوبر Anton Huber الذي توفي مبكراً، وبعد ذلك نشر القسم الثاني من هذا الديوان وما تبقى للبيد من شذرات وترجمه إلى الألمانية، مستنداً إلى دراسات تمهيدية أعدها هوبر وهينرش توربكه، وصدر ذلك كله في 1891.
ولكنه ما لبث أن تبين له أنه لا مستقبل له في هذه المدرسة الثانوية البروتستنتية. لهذا قرر أن «يبحر على البحر غير المأمون لوظيفة مدرس مساعد Privatdozentur» ـ أي أن يعد نفسه للانخراط في التدريس الجامعي. ومن أجل هذا انتقل في نوفمبر 1892 إلى برسلاو وحصل على دكتوراه التأهيل للتدريس Dr. Habil. في 28 يناير 1893 برسالة عنوانها: «عبد الرحمن أبو الفرج ابن الجوزي: تلقيح فهوم أهل الآثار في مختصر السِّيَر والأخبار ـ بحث (في هذا الكتاب) وفقاً لمخطوط برلين» (رسالة دكتوراه التأهيل Habilitationisschrift، برسلاو، 1893).
وفي تلك الأثناء أيضاً كان بروكلمن مشغولاً بجمع مواد لـ «معجم سرياني»، لأن الحاجة كانت تدعو آنذاك إلى وضع معجم سرياني، ذلك أن المعجم السرياني Lexicon Syriacum الذي صنفه كستلّوس Castellus (وطبع 1788) كان قد نفد منذ وقت طويل، كما أن تقدم الدراسات في النصوص السريانية كان يدعو إلى تجديده وإضافة الكثير من المواد إليه؛ ومن ناحية أخرى كان «كنز اللغة السريانية» Thesaurus Syriacus الذي أصدره R. Payne Smith (ولا يزال حتى اليوم خير معجم لهذه اللغة) في 1868 حافلاً بالكثير من المواد التي يمكن الاستغناء عنها؛ لهذا أقبل بروكلمن على وضع معجم جديد للغة «السريانية» فاستقرأ ألفاظ الترجمة السريانية للكتاب المقدس Peschitta والأفرات ومواعظ مار أفراد السرياني وكثير من النصوص السريانية الأخرى، وفي خلال ثلاثة أعوام وضع معجمه، وفيه زود كل مادة بشواهد من النصوص جعلت المعجم وثيق الأساس. وألحق بالمعجم ثبتاً لاتينياً سريانياً، مما جعله يتفوق على «المعجم السرياني اللاتيني» الذي أصدره J. Bruns اليسوعي في بيروت في نفس الوقت.
وصدر «المعجم السرياني» Lexicon Syriacum لبروكلمن في فبراير 1895.
وكان أدورد سخاو Sachau قد دعاه للاشتراك في إعداد نشرة نقدية محققة لـ «طبقات ابن سعد»، والسفر إلى لندن واستانبول للاطلاع على مخطوطات هذا الكتاب. فسافر بروكلمن في أغسطس 1895 إلى لندن، وفي سبتمبر سافر إلى استانبول، حيث أمضى شتاء عام 1895/96. ولم يكتف بأداء المهمة الموكولة إليه الخاصة «بطبقات ابن سعد»، بل انتهز الفرصة فنسخ نسخة من «عيون الأخبار» لابن قتيبة. وفي فبراير 1896 عاد إلى برسلاو. وكان بروكلمن مكلفاً تحقيق الجزء الثامن من «طبقات ابن سعد»، وظهر هذا المجلد بتحقيقه في برلين 1904، وقد طبع بعناية أكاديمية برلين التي تولت الإنفاق على الكتاب بكل أجزائه.
أما فيما يتصل بنشر «عيون الأخبار» فقد تولى أمره بنفسه ووجد في E.Felber في فيمار ناشراً مستعداً لتحمل نفقات الطبع بشرط أن يقدم إليه بروكلمن في نفس الوقت كتاباً آخر أوفر حظاً من الرواج، لأن النص العربي «لعيون الأخبار» لا يهمّ إلا القليل من المتخصصين في المكتبات العامة. وكان هذا الشرط، أو الاقتراح الشرط، هو الذي دفع بروكلمن إلى تصنيف كتابه العظيم: «تاريخ الأدب العربي» Geschichte der Arabischen Litterature (GAL).
ويحدثنا بروكلمن في ترجمته الذاتية (المرجع نفسه ص 33) عن تاريخ تأليفه لهذا الكتاب، فيقول إنه أفكر في مشروعه هذا منذ مدة، وأشار إلى خطته في المحاضرة التي ألقاها لدى مناقشة رسالة للدكتوراه الثانية في يناير 1893. وكان فلبر E. Felber ينشر «مجلة الآشوريات» التي كان يصدرها بتسولد في هيدلبرج، وإلى جانبها يصدر كراسات تحتوي على أبحاث طويلة نسبياً. ولما لجأ إليه بروكلمن لنشر «عيون الأخبار» واقترح عليه الشرط المذكور، عرض عليه بروكلمن أن يصدر «تاريخاً للأدب العربي». فوافق الناشر وعرض مبلغاً سخياً مكافأة لبروكلمن، رحّب به ليضاف إلى الراتب الزهيد (مائة مارك شهرياً) الذي كان يتقاضاه بوصفه مدرساً حراً Privatdozent في جامعة برسلاو. لكن ما لبث أن تبين لبروكلمن أن هذا الناشر نصاب. يقول: « لكن تبين لي بعد ذلك مع الأسف أنه نصاب وقد نصب ـ من بين من نصب عليهم ـ على عدد من أساتذة اللغة الإنكليزية وآدابها. لقد أنجز طبع الكراسة الأولى من النص، لكنه فيما يتصل بالكراسات التالية كان عليَّ أنا أن أسهم في نفقات الطبع. صحيح أنه كان يدفع مكافآت عن الكتاب ـ وقد امتد طبعه من 1898 إلى 1900 ـ بانتظام في أول الأمر. لكنه في 1900 اختفى من برلين، وكان قد انتقل إليها (من فيمار) بمساعدة أخيه. وكان عليَّ أن أقدم شكوى ضده. لكنني لم أظفر بشيء، في هذه الظروف أمام القضاء. لكن ظهر بعد ذلك من جديد وحاول استرضائي، وعرض عليَّ ـ مقابل باقي حقوقي ـ آلة كاتبة كان عليَّ أن أقبلها حتى أحصل على شيء. وهكذا ظهر الكتاب في أربعة أجزاء، بدلاً من عشرة كما كان مقرراً له. كما تبين لي بعد ذلك أن الناشر طبع ثلاثة آلاف نسخة بدلاً من ألف نسخة كما هو مقرر في العقد المبرم بيننا. وهكذا سرق مني حقوق طبعتين أخريين. وقد استأت لهذا الأمر استياءً شديداً، إلى أن تولى الناشر بريل Brill في ليدن نشر الكتاب بعد وفاة فلبر» (المرجع نفسه، ص 33).


وعنوان الطبعة الأولى التي نشرها فلبر هو:
Geschichte der Arabischen Litterature, 1 – 2 weimar – Berlin, 1998 – 1902.
وقد ظهر النصف الأول من الجزء الأول في 1897، والنصف الثاني في 1898، والجزء الثاني في 1902.
أما عنوان الطبعة التي نشرها بريل فهو:
Geschichte der Arabischen Litterature. Supplement – band, 1 – 3, Leiden 1937 – 1942.
ثم أعاد بروكلمن طبع الطبعة الأولى في مجلدين مع توسعات كثيرة، وجعلها متمشية مع طبعة الملحق هذه، في ليدن، 1943 ـ 1949.
وهكذا أصبح الكتاب في وضعه النهائي مؤلفاً من خمسة مجلدات:
المجلدان الأول والثاني هما الأصل.
والمجلدات الثلاثة الباقية هي ملاحق.
والأصل والملاحق يشير كلاهما إلى الآخر ولا بد من الرجوع إليهما معاً في كل حالة.
أما الفكرة التي قام عليها هذا الكتاب فهي أن بروكلمن كان بطبعه يكره العرض الشامل، ويميل إلى التفاصيل الدقيقة. كما أنه رأى أن الوقت لم يحن بعد لتصنيف تاريخ شامل للأدب العربي (بالمعنى الأوسع: أي كل الإنتاج في كل فروع العلم، وهذا أمر ينبغي التنبيه إليه، فكلمة «أدب» في عنوان الكتاب تعني: مجموع ما كتب باللغة العربية في كل فروع العلم) لأن ما طبع منه قليل جداً بالنسبة إلى ما لا يزال مخطوطاً، كما أن القليل من هذا المطبوع هو الذي نشر نشراً علمياً نقدياً محققاً. ومن هنا أدرك أن كل بحث في تاريخ الإنتاج الأدبي والعلمي عند العرب يجب أن يسبقه، أداة له، كتاب شامل يسرد عنوانات ما بقي من هذا التراث، وما طبع منه، مع استثناء الكتب المجهولة أسماء مؤلفيها وما لا يمكن معرفة تاريخ كتابته منها. وعلى رأس السرد للمطبوع والمخطوط من مؤلفات كل مؤلف، تكتب نبذة قصيرة تتناول الوقائع المادية في حياة المؤلف، ويتلوها بيان بمكان ما ورد عنه من أخبار.
وكان من الطبيعي أن يقع في مثل هذا العمل الجبار أخطاء في أرقام المخطوطات، وفي التواريخ، فضلاً عن الأخطاء الناجمة عن المصادر التي استعان بها، وخصوصاً فهارس المخطوطات. ونحن نعلم بالممارسة أنه لا بد من وقوع أخطاء ـ وربما عديدة ـ فيها، وخصوصاً في تحقيق هوية المؤلفين، لأن الكثير من المخطوطات لا يحمل أسماء مؤلفيها. ولهذا فإن الجهال والمتطفلين والعاجزين هم وحدهم الذين يتباهون بإبراز غلطة هنا أو غلطة هناك في عمل بروكلمن العظيم هذا. وينبغي أن يقال لهم ما قاله الحطيئة:
أقلّوا عليهم ـ لا أبا لأبيكم ـ
من اللوم، أو سُدّوا المكان الذي سَدّوا
وهم طبعاً لم يسدّوا أي مكان، ولا واحداً من ألف (أو من مليون) مما يسدّه بروكلمن بكتابه هذا.
وقد أثبت بروكلمن في نسخته الخاصة بعض التصحيحات، ولا تزال هذه التصحيحات موجودة في هله تنتظر من ينشرها. وفي ربيع 1900 دعاه سخاو ليكون مدرساً للغة العربية في «معهد اللغات الشرقية» في برلين، في المكان الذي خلا بانتقال أوجست فشر إلى جامعة ليبتسك.
وفي الصيف خلا منصبان: أحدهما منصب أستاذ مساعد في جامعة إيرلنجن Erlangen خلا بوفاة لودفج أبل Abel، والثاني منصب أستاذ مساعد في جامعة برسلاو خلا بانتقال هـ. اتسمّرن H. Zimmern إلى ليبتسك. وعرض المنصبان على بروكلمن، لكنه آثر برسلاو.
وصدرت سلسلة عن «تاريخ الآداب في الشرق» ابتداء من 1901، فشارك بروكلمن فيها بتاريخ موجز للأدب العربي، وأعيد طبعه مرة ثانية في 1909. كما كتب كتاباً آخر في هذه السلسلة وعنوانه: «تاريخ الآداب المسيحية في الشرق»، وفيه تناول تاريخ الأدب السرياني وتاريخ الأدب العربي المسيحي.
وقام بفهرسة مجموعة صغيرة من المخطوطات الشرقية في مكتبة البلدية في برسلاو (1903) كما قام في السنوات التالية بفهرسة مجموعة ممتازة من المخطوطات الشرقية في مكتبة بلدية همبورج.
وفي ربيع 1903 دعي بروكلمن ليكون أستاذاً ذا كرسي في جامعة كينجزبرج في المكان الذي خلا بتقاعد جوستاف يان Jahn. وبقي في هذا المنصب من 1903 إلى 1910. وهنا ألّف أكبر كتبه أصالة وأحبها إلى نفسه، وهو بعنوان: «موجز النحو المقارن للغات السامية» (في مجلدين، 1907 ـ 1913) Grundriss der Vergleichenden Grammatik der Semitischen Sprachen.
وكانت مشكلة اللغات الهندية الأوروبية وعلاقاتها باللغات السامية وسائر اللغات حامية الوطيس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، خصوصا في أبحاث بول دي لاجارد P. de Lagarde وي. بارت J. Barth وأرنست رينان Renan. وذهب البعض إلى القول بوجود لغة أصلية واحدة، عنها تشعبت سائر المجموعات اللغوية التي تفرعت بدورها إلى عدة لغات أصلية ما لبثت أن تفرعت إلى لهجات وهكذا. وثار جدل شديد حول وطن هذه اللغة الواحدة الأولى المزعومة.
فأشاح بروكلمن عن كل هذه النظريات، واهتم فقط بتطورات اللغات المعروفة في التاريخ، ورأى أن الغرض من المقارنة بينها هو فقط الاستعانة بالمقارنة في إيضاح تطور كل لغةٍ، لأن قوانين تطورها متشابهة، كما أن اللغة الواحدة لم تعش وتتطور في عزلة تامة واستقلال عن اللغات المجاورة أو التي اتصلت شعوبها بعضها ببعض.
وفي نفس المجال أصدر موجزاً صغيراً في النحو المقارن للغات السامية، هو المجلد رقم 21 من مجموعة «باب اللغات الشرقية» Porta Linguarum Orientalium، وذلك في 1908. وكان قبل ذلك في 1906، قد أصدر في مجموعة Göschen المشهورة كتيباً صغيراً بعنوان: «علم اللغات السامية» وقد طبع مرة ثانية في 1916، وترجمه إلى الفرنسية وليم مرسيه W. Marcais ومارسل كوهين Marcel Cohen 1910 (مع تعديلات تتفق مع اللغة الفرنسية).
وتوفي فرينكل Fraenckel في يونيو 1909 في برسلاو، فخلفه بريتوريوس. وبهذا خلا منصب الأخير في هلّه Halle، فدعي بروكلمن إلى شغل مكانه أستاذاً في جامعة هلّه، حيث قضى بها من 1910 إلى 1922. ويقول (المرجع نفسه ص 45) إنه كان أسعد بالحياة في هلّه منه في كنجزبرج لأن تلاميذه هن كانوا أوفر مواهب واهتماماً. كما أنه كان قد تزوج في 1909 ولم يكن جوّ كينجزبرج مناسباً لصحة زوجته.
وفي أثناء مقامه في هلّه أتم كتاب «موجز النحو المقارن للغات السامية»، فظهر الجزء الثاني منه ـ وهو المخصص لنظم هذه اللغات Syntax، ف 1911 ـ 1913. وفي نفس الوقت أخذ في إعداد الطبعة الثانية من «المعجم السرياني». لكن قيام الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) عاقه عن الاستمرار في العمل، لأن كثيراً من النصوص السريانية التي نشرت في تلك الفترة خارج ألمانيا لم تكن تصل إلى ألمانيا. لكنه بدأ في طبعه 1918، وظهرت الكراسة الأولى منه في 1923، لكن لم يتم طبعه بكامله إلا في 1928. وكان حجم هذه الطبعة الجديدة حوالي مثلين من الطبعة الأولى، إذ أضاف إليه الكثير من الشواهد، ومن معاني الألفاظ؛ وتوسّع في الاشتقاق، إلى درجة أنه صار صالحاً ليكون أداة للمزيد من البحث في المقارنة بين اللغات السامية من حيث الاشتقاق والصلات.
وإلى جانب اللغات السامية عني بروكلمن باللغة التركية. وكان كتاب «ديوان لغات التُّرك» لمحمود بن الحسين الكاشغري قد نشر إبّان الحرب الأولى في استانبول، وهو حافل بالمعلومات عن لهجات الشعوب التركية في آسيا الوسطى إبان العصر الوسيط. فاستخرج منه بروكلمن عرضاً لأبنية الفعل في اللغة التركية (نشره في المجلد الثامن عشر من مجلة Keleti Szemle)، كما استخرج بقايا الشعر الشعبي التركي القديم والحكم الشعبية الواردة في هذا «الديوان». وإلى جانب هذا قام برسم كل الكلمات التركية الواردة فيه ـ رسمها بالحروف اللاتينية بدلاً من الحروف العربية المكتوب بها الديوان، حتى يمكن النطق بها نطقاً صحيحاً، وزوّد كل لفظ بعدد من الشواهد وبملاحظات تتعلق بتاريخ اللفظ واشتقاقه. ومن هذا كله تكون كتاب «كنز اللغة التركية الوسطى تبعاً لديوان لغات الترك لمحمود الكاشغري»؛ وقد طبع هذا الكتاب، بمعونة الأكاديمية الهنغارية للعلوم، مجلداً أول في سلسلة تدعى: «المكتبة الشرقية الهنجارية» Bibliotheca Orientalis Hungarica.
وواصل هذه الدراسات التركية بالتخطيط لمؤلف في تاريخ اللغات التركية المكتوبة، أنجز منه مجلداً صدر 1951 ـ 1954 بعنوان: «نحو اللغة التركية الشرقية الوارد في اللغات المكتوبة الإسلامية في آسيا الوسطى». وفيه تناول تاريخ النطق وصرف ونظم اللهجات التي استعملتها الشعوب التركية في وسط آسيا منذ اعتناقها للإسلام في القرن العاشر حتى فقدانها لاستقلالها.
وحدث آنذاك أن شغر الكرسي الذي يشغله إدورد سخاو في برلين، كما شغر كرسي الدراسات الشرقية في جامعة بون 1921؛ فعُرض كلا الكرسيين على بروكلمن، لكنه فضل كرسي برلين لأنه رجا أن يجد في برلين أنسب الظروف والإمكانات لمواصلة عمله. لكن لم تتحقق آماله، ولم يستطع الانتقال للإقامة في برلين لمدة يومين في الأسبوع طوال فصليين دراسيين. ولهذا تخلى عن منصبه في برلين بعد عام من تعيينه، وعاد إلى جامعة برسلاو خلفاً لأستاذه بريتوريوس. وفي صيف 1932 انتخب مديراً لجامعة برسلاو لكنه حدث في أثناء إدارته أن قام الطلاب النازيون بمظاهرات ضد تعيين الأستاذ Cohn ـ وهو يهودي ـ مما أدى إلى إغلاق الجامعة طوال ثلاثة أيام. ولما كان بروكلمن قد حاول الدفاع عن حرية الجامعة في اختيار الأساتذة، أيَّا كانت ديانتهم، فإنه اضطر إلى الاستقالة من منصبه مديراً للجامعة في شهر مارس 1933 بعد أن استولى النازي على السلطة في 30 يناير 1933، لكنه احتفظ بكرسي الأستاذية في الجامعة.
وفي خريف 1935 تقاعد. وانتقل في ربيع 1937 إلى مدينة هلّه Halle لأنه أراد الاستفادة من مكتبة «الجمعية الشرقية الألمانية» DMG ـ ومقرها في هلّه ـ لمواصلة العمل في كتابه الرئيسي «تاريخ الأدب العربي» GAL وكان بروكلمن منذ ظهور الطبعة الأولى منه 1898 ـ 1902 يكتب التصحيحات والإضافات على نسخته الخاصة. واستمر في هذا التصحيح والاستدراك والإكمال طوال أربعين سنة، وكرّس لهذا مجلدين ضخمين ظهر أولهما في 1937، والثاني في 1938 عند الناشر المشهور بريل E.J. Brill في ليدن (هولندة) كما أشرنا إلى هذا من قبل. وقد أصدرهما على أنهما مجلدان ملحقان Supplementbände؛ وكان الأفضل أن يعيد كتابة الكتاب كله ويدخل فيه كل التصحيحات والإضافات؛ لكن ورثة الناشر فلبر Felber اشترطوا شروطاً استحال عليه قبولها. ومن هنا صدر هذان الملحقان، مما جعل من الصعب على القارئ الاستفادة من الكتاب.
وفي 1942 أصدر مجلداً ملحقاً ثالثاً ـ لا يناظره شيء في الطبعة الأولى ـ تناول فيه تاريخ الأدب العربي الحديث ابتداء من 1882 ـ وهي سنة احتلال إنجلترة لمصر ـ حتى العصر الحاضر. ويختلف هذا المجلد الثالث عن المجلدين الأوّلين بملاحقهما في أنه هنا لم يقتصر على سرد عنوانات الكتب بل فصل القول في مضموناتها، وأبدى ملاحظات على اللغة والأسلوب وأبدى أحكاماً عليها.
وكان بروكلمن في الفترة من 1895 حتى 1914 يتناول بالتعليق ما يصدر عن تاريخ الإسلام من مؤلفات، كما أنه كتب الفصل الخاص بتاريخ الإسلام في كتاب «تاريخ العالم» الذي كان يشرف عليه Julius Von Pflugk – Hartung (في المجلد الثالث ص 131 ـ 319) وذلك في 1910، وقد قدم فيه عرضاً سريعاً لتاريخ الإسلام منذ البداية حتى العصر الحاضر. وها هو ذا يعود بعد ذلك بخمس وعشرين سنة إلى هذا الفصل فيعيد كتابته ويتوسع فيه، ويضيف إليه فصلاً طويلاً عن «الأوضاع الجديدة للدول الإسلامية بعد الحرب العالمية (الأولى)» وقد واصل فيه العرض حتى بداية 1939. وأصدر هذا كله في مجلد كبير بعنوان: «تاريخ الشعوب والدول الإسلامية» Geschichte der Völker und Staaten.. وقد ظهر 1939 بوصفه المجلد الأول من مجموعة في تاريخ الدول يصدّرها الناشر R. Oldenbouurg. وهذا الكتاب يعطي صورة شاملة لتاريخ الشعوب الإسلامية كلها منذ بداية الإسلام حتى 1939، دون مناقشات للمشاكل العديدة المتصلة بهذا التاريخ، معتمداً على يوليوس فلوزن وليوني كيتاني فيما يتعلق بتاريخ صدور الإسلام والدولة الأموية، وعلى بارتولد ومينورسكي فيما يتص بتاريخ آسيا الوسطى، وعلى P. Witek فيما يتعلق بالدولة العثمانية. وقد أعيد طبعه في 1943. وبدون علم بروكلمن تُرجم الكتاب إلى الإنجليزية إبان الحرب العالمية الثانية، ونشر في 1947 مع فصل عن الحوادث من 1939 إلى 1947 كتبه يهودي متعصب متحيّز يدعى M. Perlmann شوّه فيه القضية الفلسطينية «وأبدى فيها رأياً يخالف تمام المخالفة رأي بروكلمن» كما قال يوهان فوك Johann Fück في مقالة عن بروكلمن (في ZDMG جـ 108، 1958، ص 12): «M. Perlmann in der Palästinafrage einen andern Standpunkt einnahm als Brockelmann». لكن هذه عادة كل الكتّاب اليهود في هذا الشأن! وقد ترجم الكتاب أيضاً إلى الفرنسية (عند الناشر Payot)، والعربية (ترجمة الأستاذ منير بعلبكي ونبيه فارس، دار العلم للملايين، بيروت 1949 وما يليها)، والتركية، والهولندية.
وكان على بروكلمن في 1945، بوصفه متقاعداً من جامعة برسلاو أن يعمل مؤقتاً في منصب محافظ لمكتبة «الجمعية الشرقية الألمانية» DMG، فصرف كل همّه لإعادة تنظيمها واستعادة ما نقل من كتبها ومخطوطاتها.
وفي صيف 1947 عين أستاذاً شرفياً، وألقى دروساً ومحاضرات ـ بناء على رغبته ـ في التركيات. فدرّس لطلابه اللغة التركية الحديثة، وقرأ معهم كتب التاريخ العثماني القديمة، وفسّر وثائق تركية، وألقى محاضرات في تاريخ الدولة العثمانية. كما ألقى، في الوقت نفسه، دروساً في اللغات السريانية، والأكدية (الآشورية والبابلية)، والحبشية، والقبطية، وشرح مصادر مكتوبة بالسريانية تتعلق بتاريخ الإسلام، ونصوصاً يهودية آرامية، ونقوشاً سامية شمالية، ورسائل من مجموعة تل العمارنة، ونصوصاً في التاريخ والأساطير الأكدية، ونصوصاً قبطية في المانوية وكتباً يهودية مكتشفة في الكهوف. وكل هذا بالإضافة إلى دروس في الفارسية الحديثة والفارسية الوسطى، والأرمنية! وهكذا كان بروكلمن يتقن إحدى عشرة لغة شرقية هي: العربية، السريانية، العبرية، الآشورية، البابلية، الحبشية، الفارسية الوسطى، الفارسية الحديثة، الأرمنية، التركية، القبطية، إلى جانب إتقانه لليونانية واللاتينية والفرنسية والإيطالية والإنجليزية والإسبانية وما لا أعلم أيضاً! وهكذا ينبغي أن يكون العالم الحقيقي بالدراسات الشرقية.
وفي صيف 1953 تقاعد بروكلمن للمرة الثانية، لكنه واصل التدريس مع ذلك. وفي أثناء قداس ليلة عيد الميلاد في ديسمبر 1954 أصيب بنزلة برد كانت عاقبتها وخيمة على صحته. بيد أنه استمر في عمله، ترعاه زوجته الثانية. واستعان بواحد من أواخر تلاميذه هو د. كونرد فون رابناو Rabenau، فاستطاع أن يتم كتابه الأخير في «نظم اللغة العبرية» Hebraische Syntax، وقد ظهر هذا الكتاب بعد وفاته.
ثبت مؤلفاته
بمناسبة بلوغ بروكلمن سن السبعين صنف أوتو اشبيس Otto Spoes في 1938 ثبتاً بمؤلفات بروكلمن. وكان هذا الثبت الأساس في ثبت أوفى بمؤلفات بروكلمن، يشمل عى 555 رقماً، نشر في مجلة Wissenschftliche Zeitschrift der Martin- Luther – Universitat Halle – Wittenberg, Gesel Ischaftswissenschaftliche Reihe, Jahrgang V11, Helft 4.
ترجمته الذاتية
وقد ترك بروكلمن ترجمة ذاتية مخطوطة موجهة إلى ابنه الذي اشترك في معركة استالينجراد (وقد تم تسليم الجيش الألماني بقيادة الجنرال باولس للجيش الروسي في 2/2/1943) وعُدّ من المفقودين. لكنه عاد من الأسر في روسيا بعد فترة من القلق والأمل طويلة. وقد كتب بروكلمن هذه الترجمة لنفسه في منزله في هله (15 شارع فتنر Wettiner الذي سمي بعد ذلك باسم: شارع كارل ليبكنشت الثائر الشيوعي في برلين عند نهاية الحرب العالمية الأولى)، وقد فرغ منها في 14 سبتمبر 1940 أي قبل ثلاثة أيام من بلوغه سن التاسعة والسبعين.
وقد نشر هذه الترجمة الذاتية رودلف زلهيم Rudolf Sellheim الأستاذ في جامعة فرنكفورت (على نهر الماين) والمشرف على مجلة Oriens، وذلك في هذه المجلة، المجلد 27 ـ 28، ليدن 1981 (من ص 1 ـ ص 65) تحت عنوان: «تخطيطات في السيرة الذاتية وذكريات لكارل بروكلمن».