ا |ب |ت |ث |ج |ح |خ |د |ذ |ر |ز |س |ش |ص |ض |ط |ظ |ع |غ |ف |ق |ك |ل |م |ن |ه |و |ي
 طباعة

بوستل

المصدر: موسوعة المستشرقين للدكتور عبد الرحمن بديوي، 1992

مستشرق فرنسي من الأوائل.GUILLAUME POSTEL
(1510 – 1581)
ولد في دولري Dolerie (في مقاطعة المانش في شمالي شرقي فرنسا) في 1501، وتوفي في باريس في 1581.وكانت أسرته في غاية الفقر، ومع ذلك تعلّم اليونانية والعبرية في باريس، كما درس من اللغات الأوروبية الحديثة: الإيطالية والإسبانية والبرتغالية، فلفتت موهبته الفائقة لتعلُّم اللغات الأجنبية انتباه معلميه فأوصوا به خيراً عند مرجريت دي نافار، أخت فرانسوا الأول وكانت موهوبة ذكية، فأذنت له بدخول بلاطها، ودعت أخاها فرانسوا الأول ليبعث به إلى الشرق لاقتناء مخطوطات. فسافر أولاً إلى مصر، ومنها إلى استانبول حيث رحّب به سفير فرنسا لدى الباب العالي، لافوريه La forêt (فورستانوس) لما اطلع على قدرته العجيبة على إتقان اللغات الأجنبية. وفي استانبول أتقن اللغة التركية. وأطلعه طبيب يهودي في البلاد العثماني، يدعى موسى المالي، على أسرار القبالة اليهودية وقرأ معه كتاب «زهر». لكن اهتمامه الرئيسي كان دراسة اللغة العربية، فتعلمها على يدي معلم تركي، وأعانه على إتقانها معرفته الجيدة باللغة العبرية. واستغل كل فرصة متاحة لزيادة علمه باللغات الأجنبية، فتعلم اللغة الحبشية على أيدي قساوسة تابعين للكنيسة الحبشية.
وبقي في استانبول أقل من عامين، عاد بعدهما إلى أوروبا في مستهل عام 1537. وفي الطريق زار في البندقية الطابع المشهور دانيل بومبرج Daniel Bomberg، وحاول إقناعه بصناعة حروف عربية وتأسيس مطبعة شرقية. كذلك تعرف إلى الكاهن القانوني في پاقيا (شمالي إيطاليا) ويدعى Teseo Ambrogio (1469 ـ 1540) وهو من أوائل المستشرقين الإيطاليين وكان يتقن لغات عديدة متنوعة.
وعاد إلى باريس في يونيو 1537، فعيّنه فرانسوا الأول محاضراً وترجماناً؛ ثم عينه في 1539 أستاذاً في الكوليج دي فرانس التي أنشأها فرانسوا الأول منذ وقت قريب.
لكنه فَقَدَ هذا المنصف في 1543 حينما سقط پواييه Poyet الذي كان يرعاه. وكان قد نشر في 1538 كتابه: «حروف هجاء اثنتي عشرة لغة مختلفة: مدخل إلى قراءتها بأسهل طريق». وهذه اللغات هي: العبرية، الكلدانية، الكلدانية الحديثة (= السريانية)، السامرية، العربية (ويسميها أيضاًك الپونية Punica!)، والهندية (ويقصد بها: الحبشية)، واليونانية، والجيورجية، والصربية، والألبانية، والأرمنية، واللاتينية.
وفي عام 1539 أصدر «نحواً عربياً» Arabica Grammatica. وفي مقدمته يتحدث عن سعة انتشار الإسلام بحيث شمل كل إفريقية (كما كانت تعرف في وقته طبعاً) باستثناء النوبة (ولم تكن قد صارت كلها إسلامية، بل كان فيها دولة نصرانية)، وكل آسيا من الساحل الغربي حتى أقصى الشرق؛ وكذلك كيف نفذ الإسلام في أوروبا. وبعد ذلك يشيد پوستل بثراء التآليف العربية، خصوصاً في ميدان الفلك والطب العملي. وهاجم «المتطببين الجدد» Neoteristae قائلاً إنه لا يستطيع أحد الاستغناء عن وسائل المعالجات والمشروبات التي ينصح بها الأطباء العرب، ويؤكد أن ابن سينا يقول في ورقة واحدة أو ورقتين أكثر مما يقوله جالينوس في خمسة أو ستة من المجلدات الضخمة. ثم بيَّن القرابة بين العربية والعبرية ممّا يسهل تعلم الواحدة عن طريق معرفة الأخرى. ولخص قيمة معرفة المسيحيين الأوروبيين للغة العربية فيما يلي:
1 ـ لما كانت العربية لغة عالمية، فإن معرفتها تفيد في العلاقات مع المغاربة والمصريين والشوام والفرس والأتراك والتتار والهنود.
2 ـ اللغة العربية كتبت بها مؤلفات عديدة جداً مفيدة.
3 ـ من يملك ناصية اللغة العربية «يستطيع ـ على حد زعمه ـ أن يبقر بطون أعداء الدين المسيحي بسيف الكتب (المقدسة) وأن يفنّد عقائدهم بواسطة عقائدهم هم، وأن يكون على اتصال بالأرض كلها عن طريق معرفة لغة واحدة» ـ هي اللغة العربية.
وبعد هذه المقدمة يتناول پوستل قواعد اللغة العربية استناداً إلى كتب النحو العربية دون أن يستطيع امتلاك ناصيتها، وعلى رأسها كتاب «التصريف» للعِزّي.
وفي عام 1529 أو 1540 أصدر آخر إنتاج له في الدراسات الشرقية بعنوان: ((جمهورية التُّرْك))، وفيه يرسم صورة مثالية للمجتمع العثماني.
ومنذ ذلك الوقت ـ أي ابتداءً من عام 1540 تقريباً ـ تحولت نفسيته تحوّلاً تاماً غريباً. فاستولت عليه أحلام شاذة لإصلاح أحوال العالم، وأراد أن يضع معارفه اللغوية في خدمة تحقيق هذه الأحلام. فراح يحلم بقيام حركة تبشير عالمية هائلة ابتغاء تنصير كل الكفار والمبتدعة والوثنية، وبغزو العالم بواسطة الدول المسيحية تحت قيادة فرنسا، وببزوغ عصر جديد فيه يحيا الناس ـ وقد اتحدوا في العقيدة المسيحية ـ في ظل التفاهم والسلام تحت راية الزنابق!. وكان مقتنعاً بأن حقيقة المسيحية ستتجلى لكل أعدائها متى بشروا بها!
وإلى جانب هذه التهاويم الدينية المسيحية، تملكته نزعة قومية فرنسية مغالية جداً، جعلته يتصور أن الفرنسيين هم شعب الله المختار، وأنهم مدعوٌون للسيطرة على العالم وحكمه!!
لكنه خفف من هذه الشطحات بنزعة قوية نحو التسامح الديني تجاه الأديان الأخرى ولم يطالب بعقوبة الإعدام إلا للملحدين فقط، وبتقدير للنبي محمد لا نعثر على مثله في أوروبا قبله بل ولا بعده بأكثر من قرن، وبإيمانه بتقدم الفكر والحضارة.
وقد عبر عن أحلامه هذه أولاً في كتاب ظهر 1543. بعنوان: «الوفاق (بين الناس) على ظهر الكرة الأرضية» de orbis terrarum concordia.
ولما لم يجد من يحفل به في باريس، سافر إلى روما، ابتغاء أن يجد من يصغي إلى أحلامه هذه بين اليسوعيين. وفي روما عرض أحلامه هذه على أغناطيوس دي لويولا مؤسس الطريقة اليسوعية. فأشاح عنه أغناطيوس؛ وكيف يقبل على رجل يريد أن يجعل من ملك فرنسا حاكماً على العالم كله، وينادي بإنشاء مجمع عام فوق الباب يدير شئون المسيحية؟!
فلما يئس من تحقيق أحلامه في روما, سافر إلى البندقية في نهاية 1545، وهناك التقى بالأم حَنّه (توفيت 1551)، وكانت ممرِّضة عجوزاً، ادّعت أنها ترى رؤى وتنجذب جذبات صوفية عالية، وتصورت أن نهاية العالم قريبة، وتريد من أجل هذا أن تقوم بدور المنجّية لهذا العالم! ووقع پوستل تحت تأثيرها الطاغي، وجعل من نفسه رسولها المبشر بالخلاص الجديد. وفي الوقت نفسه راح يفكر كيف ينفذ مشروعه الأول وهو تنصير العالم وتوحيده تحت قيادة ملك فرنسا.
ووجد أنه لتنصير الشرق عن طريق إنجيل عربي وسرياني، فإنه في حاجة إلى مخطوطات للكتاب المقدس شرقية. فأقنع الطابع دانيل بومبرج بأن يقدم إليه الوسائل للقيام برحلة ثانية إلى الشرق. فاستقل سفينة حجاج بندقياوية في 1549 راحلة إلى فلسطين، فوصل إلى القدس في أغسطس 1549.
لكن سرعان ما تبين له أنه ليست لديه الوسائل الكافية، فاتصل بالسفير الفرنسي دارامون d'Aramonـ الذي جاء إلى القدس في نوفمبر من نفس السنة، وأقنعه بأن يأخذه السفير معه إلى استنبول، فوصل استانبول في بداية سنة 1550 وأقام بها. حتى عام 1551. ثم عاد ممن ثمّ إلى البندقية، وأودع ما اقتناه من مخطوطات شرقية لدى بومبرج، وسافر إلى باريس.
ولما كان الأم حَنّه قد توفيت في 1551، فقد صار في حلّ من أن يتولى هو التبشير برسالتها. فتنبأ بأن العالم على وشك النهاية، وأن المسيح على وشك المجيء من جديد، لخلاص الإنسانية، وجعل دور الأم حَنّه في الخلاص مقصوراً على خلاص الطبيعة السفلى. وقرر أن جوهر الأم حنّه قد انتقل إليه.
وراح يؤلف الكثير من الكتب والرسائل في موضوعات مختلفة، وقد كتبها بأسلوب غامض مستسرّ، وتموج بنظريات شاذة. وكان في 1539 قد نشر كتاباً بعنوان: «في الأصول» de Originubus زعم فيه أنه كان للنبي نوح لغتان: لغة عادية منها اشتقت اللاتينية واليونانية، ولغة سرّية منها اشتقت العربية والسريانية والكلدانية.
ولم يطب له المقام في باريس، لأنه أثار ارتياب الملك، فسافر في 1553 إلى فيينا مروراً بالبندقية ـ من أجل لقاء مع يوهان ألٌّبرشت فدمانشتتر Johann Albrecht Widmanstetter (1506 ـ 1551) الذي كان يقوم آنذاك بنشر الترجمة السريانية للعهد الجديد من الكتاب المقدس بالتعاون مع قسيس سوري يدعى موسى المارديني، وعلى حساب فردينند الأول. فتعاون مع فدمانشتتر في هذا العمل. وعينه الإمبراطور النمساوي أستاذاً غير ذي كرسي في أكاديمية (جامعة) فيينا التي أعيد تنظيمها من جديد. وفي المحاضرة الافتتاحية، وعنوانها: «في تفوق اللغة الفينيقية» تحدث عن اللغة العربية، وعن الدور الذي سيلعبه الإنجيل باللغتين السريانية والعربية في تنصير الشرق، وعن ضرورة العناية بهذه اللغات الثلاث: العربية، السريانية، الفينيقية من أجل بزوغ العصر الذهبي الموعود.
لكنه لم يبق في فيينا إلا نصف عام، وتركها في أول مايو 1554.
وكان العديد من مؤلفاته قد وضع على القائمة البابوية السوداء Index.
وساءت حالته المالية، إلى درجة أن اضطر إلى رهن المخطوطات، التي اقتناها أثناء أسفاره في الشرق، عند أمير قصر Ottheinrich الذي كان يجمع مخطوطات لمكتبة هيدلبرج، في مقابل 200 دوكات.
وفي صيف 1555 وجد أحد أهل الإحسان الذي تكفل بصنع حروف عربية للطباعة في مدينة سبيونيتا Sabbioneta. لكن قبل أن يستطيع الإفادة من هذه الحروف، قدّم إلى محكمة التفتيش (أو التحقيق Inquisition) بسبب كتاب جديد له عن الأم حنّه، عنوانه: «الأخبار الأولى من العالم الآخر». وحكمت عليه محكمة التفتيش البابوية في روما بالسجن، فسجن في روما مدة تزيد على ثلاث سنوات، ولم ينقذه من السجن إلا قيام ثورة شعبية في 1559، فأخرج من السجن. لكنه ظل هائماً على وجهه في أنحاء البلاد، حتى عاد إلى فرنسا في 1561، وكان ذلك عشية الحرب الأهلية التي ستقوم في فرنسا. وخاص المعركة بكتابة عدة رسائل في موضوع الاتفاق بين البابويين (الكاثوليك) وبين الهوجونوت (الپروتستنت الفرنسيين)، مما أوقعه في مشاكل من جديد. فأمر الملك بوضعه في السجن. وقُدم إلى المحاكمة، وألقي به في دير سان مرتان بالقرب من باريس، في نهاية 1562. وفي هذا الدير أمضى السنوات الثلاث الأخيرة من حياته، مشمولاً باحترام المقيمين معه في الدير لسعة علمه، ومحبوباً لطيب نياته.
وشيئاً فشيئاً بدأ يثوب إلى رشده ويستفيق من أحلامه وتهاويله، فخففوا عنه القيود، وأعادوا إليه كتبه، وصار من حقه أن يلقي محاضرات، ويكتب الرسائل. واستمر على هذه الحال ثمانية عشر عاماً أخرى حتى توفي في باريس 1581.
لقد كان پوستل شخصية غريبة تجمع بين العبقرية والجنون، بين الأعمال العلمية المفيدة والأحلام المرضية الباهرة. وكان يعجب به بعض المستشرقين والباحثين مثل فدمانشتتر، وفاتابل Vatable ودانس Danès، وماسيس Masis وپلكان Pellican. وكان محاضراً جذاباً، فكان يحضر محاضراته جمع حاشد.
وربما كانت أكبر خدمة أسداها پوستل للاستشراق هي ما جمعه من مخطوطات شرقية منها تاريخ أبي الفداء، ومؤلفات يوحنا الدمشقي، وترجمة سريانية للعهد الجديد من الكتاب المقدس هي الأساس في نشر هذه الترجمة التي طبعت في فيينا 1555. وقد بيّن ليفي دلاّفيدا بعض المخطوطات العربية التي كان قد اقتناها پوستل وانتقلت إلى ملكية مكتبة الفاتيكان، وذلك في كتابه Ricerche sulla formazione del pi antico fondo dei manuscritti orientali del Vaticano (حاضرة الفاتيكان 1939، ص 307 ـ 327).