ا |ب |ت |ث |ج |ح |خ |د |ذ |ر |ز |س |ش |ص |ض |ط |ظ |ع |غ |ف |ق |ك |ل |م |ن |ه |و |ي
 طباعة

جولدتسيهر (اجْنَتْس)

المصدر: موسوعة المستشرقين للدكتور عبد الرحمن بديوي، 1992

IGNAZ GOLDZIHER
(1850 – 1921)
يشاء الله أن يهب الإسلام من الأوروبيين من يؤرخون له كسياسة فيجيدون التأريخ؛ ومن يبحثون فيه كدين وحياة روحية فيتعمقون هذا البحث ويبلغون الذروة فيه أو يكادون، ومن يقبلون على الجانب الفيلولوجي منه فيظفرون بنتائج على جانب من الخطر الكبير. فكان له على رأس هؤلاء الأخيرين تيودور نِلدكه، وعلى رأس أولئك الأوّلين يوليوس فلهوزن. وكان سيد الباحثين فيه من الناحية الدينية خاصة، والروحية عامة، اجنتس جولدتسيهر.
ليس في حياة جولدتسيهر الظاهرية شيء يستحق التسجيل. فهي حياة هادئة لم تخرج عن دائرة الحياة العلمية الخالصة. ولم تتعدها إلى الحياة العامة، أو إن تعدتها فبمقدار هين قليل. أما حياته الباطنة فكانت خصبة حافلة بالنشاط والحركة، تمت سريعاً وكانت مبكرة في هذا النمو شديدة التبكير، واستمرت قوية وثابة، سائرة نحو غايتها دون توانٍ ولا انقطاع، ولهذا فلن نحدثك عن حياته الأولى إلا حديثاً قصيراً، وبالقدر الذي يفيدنا في تفهم حياته الثانية.
كان ميلاده في الثاني والعشرين من شهر يونيو سنة 1850 بمدينة اشتولفيسنبِرج في بلاد المجر. وأسرته أسرة يهودية ذات مكانة وقدر كبير. فهي ليست من تلك الأسر اليهودية الشديدة الإملاق المنتشرة في أوروبا الوسطى، إملاقاً يجعل البعض منها جاهلاً ممعناً في الجهل، فطرياً ساذجاً أو شبه فطري ساذج؛ ويفضي بالبعض الآخر، وغالبية هؤلاء من المستوطنين لا المواطنين، إلى أن يكون تربة خصبة لإنبات الآراء الهدامة في الحياة الاقتصادية.
ولهذين العاملين: عامل انتمائه إلى بلاد المجر التي كانت آنذاك جزءاً من الإمبراطورية النمساوية، وعامل انتمائه إلى أسرة إسرائيلية هذا حظها من المكانة في الحياة الاجتماعية، أثر كبير في تحديد خصائص جولدتسيهر. فالعامل الأول لم يكن من شأنه أن يجعل جولدتسيهر يشارك في الحياة السياسية العامة كما هو شأن بكر، أو أن يقوم بدور في السياسة الخارجية لوطنه كما هي الحال بالنسبة إلى الكثير من المستشرقين. وكان العامل الثاني هو الذي طبعه بطابع العالمية، وأشاع فيه الروح الدولية التي تعلو أو تتخلص من الروح القومية. ثم كانت مكانة أسرته ووضعها الاجتماعي العامل في تشكيل نظرته إلى الحياة العامة. فإن من شأن هذا النوع من الأسر أن يقف موقفاً هو خليط من المحافظة، والوطنية المحدودة طبعاً؛ ولهذا نراه ذا نزعة وطنية فيها من التحفظ الشيء الكثير، كما نراه لا يرضى عن الحركات الثائرة، حتى لو كانت هذه الحركات في صالح الطائفة التي ينتسب إليها. ومن هنا نجده غير راضٍ عن الثورة التي قام بها بيلاكون، مع أنها أفضت إلى ازدياد نفوذ اليهود ورفع مكانتهم في الحياة العامة في المجر.
أما دراسته فقد قضى السنين الأولى منها في بودابست، ومن ثم ذهب إلى برلين سنة 1869 فظل بها سنة انتقل بعدها إلى جامعة ليبتسك، وفيها كان أستاذه في الدراسات الشرقية فليشر، أحد المستشرقين النابهين في ذلك الحين، وكان ممتازاً من الناحية الفيلولوجية على وجه التخصيص. وعلى يديه ظفر جولدتسيهر بالدكتوراه الأولى سنة 1870، وكانت رسالته عن شارح يهودي في العصور الوسطى، شرح التوراة، هو تنخوم أورشلمي.
ومن ثم عاد إلى بودابست؛ فعين مدرساً مساعداً في جامعتها سنة 1872 ولكنه لم يستمر في التدريس طويلاً، وإنما أرسلته وزارة المعارف المجرية في بعثة دراسية إلى الخارج، فاشتغل طوال سنة في فيينا وفي ليدن. وارتحل من بعد إلى الشرق (من سبتمبر سنة 1873 إلى أبريل من العام التالي). فأقام بالقاهرة مدة، ثم سافر إلى سوريا وفلسطين.
وفي أثناء إقامته بالقاهرة استطاع أن يختلف إلى بعض الدروس في الأزهر، وكان ذلك بالنسبة إلى أمثاله امتيازاً ورعاية عظيمة.
ومنذ أن عين في جامعة بودابست، وعنايته بالدراسات العربية عامة والإسلامية الدينية خاصة تنمو وتزداد. وإذا به يحرز في وطنه شهرة كبيرة، جعلته ينتخب عضواً مراسلاً للأكاديمية المجرية سنة 1871، ثم عضواً عاملاً في 1892، ورئيساً لأحد أقسامها في 1907.
وصار أستاذاً للغات السامية في سنة 1894، ومنذ ذلك الحين وهو لا يكاد يغادر وطنه، بل ولا مدينة بودابست إلا لكي يشترك في مؤتمرات المستشرقين، أو لكي يلقي محاضرات في الجامعات الأجنبية استجابة لدعوتها إياه.
ومن مكتبة في مدينة بودابست ظل جولدتسيهر أكثر من ربع قرن شمساً ساطعة استمرت ترسل في عالم البحوث الإسلامية ضوءاً يبدد قليلاً قليلاً ما يحيط بنواحي الحياة الدينية الإسلامية من ظلام، وينير السبيل أمام الباحثين في الوثائق التي سجلت فيها تلك الحياة، وينمو على حرارته جيل ضخم ممن كانوا بالأمس القريب، أو ممن هم اليوم، أئمة المستشرقين، حتى كانت وفاته في اليوم الثالث عشر من شهر نوفمبر 1921 بالمدينة التي قضى فيها الشطر الأعظم من حياته، ونعني بها مدينة بودابست.
تلك هي حياته الخارجية الظاهرية، ليس فيها ما يثير الاهتمام، أو يبعث على التشويق، فهي حياة المكتب، لا حياة العالم الخارجي؛ وهي حياة القراءة والتحصيل، لا التجربة والاتصال الحي. ولهذا لم يكن جولدتسهير من المعنيين بشؤون الشرق المعاصر، ولا بالمسائل الحية التي تضطرب فيه سواء من هذه المسائل ما هو سياسي وتشريعي، وديني، وحضاري ثقافي. وهو من هذه الناحية يختلف اختلافاً بيِّناً عن الغالبية من كبار المستشرقين في القرن العشرين، إن في مادة البحث أو في منهجه. فهؤلاء في مادة بحثهم يعنون بمشاكل الشرق الحاضرة. وهم في منهجهم يعتمدون كثيراً على ما شاهدوه، وما استطاعوا عن طريق الاتصال الحي المباشر أن يدركوه ويتبينوه.
ولكن إذا كان جولدتسيهر قد أعوزته التجربة الخارجية المباشرة، فقد كان لديه نوع من التجربة الروحية الباطنة، استطاع عن طريقها أن ينفذ في النصوص والوثائق كي يكتشف من ورائها الحياة التي تعبر عنها هذه النصوص ويتبين التيارات والدوافع الحقيقية التي استترت خلف قناع من الكلمات. فهو إذا قام الحديث، فليس ذلك كي يبين أنه موضوع أو غير موضوع إنما لكي يدرك الميول المختفية والأهواء المستورة التي يعبر عنها أصحابها فيما يصنعون أو يروون من حديث. وهو إذا بحث في تفسير القرآن، لم يقصد إلى بيان أخطاء المفسرين، أو ترجيح رأي الواحد على رأي الآخر، وإنما هو يرمي إلى الكشف عن «الاتجاهات» التي ليست هذه الاختلافات بين المفسرين إلا مظهراً خارجياً لها، سواء من هذه الاتجاهات وتلك الميول والأهواء ما هو سياسي صريح، وما هو ديني خالص، وما هو مزيج من الدين والسياسة.
وهذه النظرة إلى النصوص والوثائق على أنها رمز لحياة مضطربة قوية معقدة حَيّها أصحابها، جعلته ينظر إلى المذاهب والنظريات والآراء نظرة زمانية لا نظرة مكانية، نظرة حركية لا نظرة سكونية، نظرة تاريخية لا نظرة مذهبية. أعني أنه كان ينظر إلى هذه المذهب أو ذاك في الفقه والتفسير ورواية الحديث والعقائد على أنه كالكائن الحي سواء بسواء: يولد وينمو وينضج ثم يبدأ في الانحلال ويستمر في الذبول حتى يفنى ويزول، وليس طائفة من الصيغ الجامدة والتصورات المجردة التي قيلت مرة واحدة وإلى الأبد. فهو إذا عرض المذهب، عرض قانون حياته وتطوّره، وإذا بحث في مادته بحث في نسيجه الحي وجس عروقه النابضة بالحياة.
ومن أجل هذا كله كان يعتمد على نفوذ بصيرته وعمق وجدانه. واعتماده على البصيرة والوجدان ميّزه بميزتين: الأولى أنه كان ينهج في أبحاثه منهجاً استدلالياً، لا استقرائياً. فكان يقبل على النصوص وفي عقله جهاز من المقولات والصور الإجمالية يحاول تطبيقها على هذه النصوص والتوفيق بينها وبين ما يوحي به ظاهر النص حتى يتلاءم وهذه الصور الإجمالية، وحتى يدخل في نطاق تلك المقولات. ولم يكن يتقدم إلى النصوص خالياً من كل شيء كي يدعها هي بنفسها تقول ما يريد ظاهرها أن يقول، فيجمعها ويضم الواحد إلى الآخر وينتظر منها هي أن تتكلم.
ولكن جولدتسهر، والحق يقال، كان شديد الاحتياط في استخدام هذا المنهج، فكان في كل خطوة يخطوها يتكئ على النصوص ويعتمد عليها كل الاعتماد، وكان يسوق الشواهد العديدة تأييداً لأقواله وتأكيداته، وهو في اعتماده عليها وسوقه لها لم يكن يرهقها ويضغط عليها ضغطاً شديداً، بل تراها تسير وراء تأكيداته خفيفة نشيطة إلى حد كبير، ولو أنا نراها في بعض الأحيان تسير بخطى متثاقلة، ونجدها مرهقة تنوء بحمل ما يريد أ، يحملها من معانٍ. إلا أن هذه الأحيان ليست كثيرة على كل حال.
وفي هذا يختلف جولدتسيهر عن نلينو من ناحية، وعن بكر من ناحية أخرى. فهو ونلينو في منهجهما في البحث على طرفي نقيض. فبينما منهج جولتسيهر كما قلنا منهج استدلالي يعتمد كثيراً على البصيرة والوجدان. نرى منهج نلينو منهجاً استقرائياً خالصاً، كل اعتماده على النصوص، لا يكاد يخرج منها إلى النتائج الواسعة أو التيارات الروحية العامة. أي أن منهج نلينو هو المنهج العلمي بالمعنى الدقيق. ويشبه نلينو أيضاً من بين المستشرقين نلدكه. كما أن جولدتسيهر يختلف من ناحية ثانية عن بكر، في أن بكر لم يكن يحتاط كثيراً في استخدام الوجدان والبصيرة، مما أدى به إلى أقوال وتأكيدات فيها من الغلو والإفراط أحياناً قدر كبير، حتى ليخشى على بنائها الشامخ الرائع أن تعصف به عواصف الوثائق لو نظر فيها بدقة وإمعان وأبعد منها التأويل البعيد. أما جولدتسيهر فمع استخدامه الوجدان والاستدلال فإنه كان معتدلاً كما أوضحناه من قبل.
وهكذا كان منهج جولدتسيهر منهجاً وسطاً استطاع به أن يتجنب خطرين: خطر الضيق والسطحية في المنهج العلمي بالمعنى الدقيق، وخطر الإفراط في السعة والتأويلات البعيدة الخيالية في المنهج الوجداني الاستدلالي.
والميزة الثانية لاعتماد جولدتسيهر على الوجدان والبصيرة هي أنه كان بارعاً في كل ما يتصل بالمقارنات براعة عظيمة. فكان مرهف الإحساس بما بين المذهب الواحد والمذهب الآخر من فروق ودقائق، هذا في داخل دائرة معينة من دوائر الحضارة الروحية. كما كان أكثر إرهافاً ولطفاً في الحس بما بين هذا الدين أو ذاك، أو هذا المذهب الموجود في هذا الدين وذاك الآخر الموجود في داخل دين الآخر، من مشابهات وصلات؛ وبما عسى أن يكون للواحد من تأثير في الآخر. لهذا نرى أن فضله الأكبر هو في هذه المقارنات التي عقدها، والصلات التي كشف عنها، والفروق الدقيقة التي استطاع أن يتميزها.
وهاتان الميزتان تطبعان نشاطه العلمي جمعيه.
هذا النشاط الذي بدأ مبكراً ممعناً في التبكير. فها هو ذات الطفل الصغير الذي لم يكد يتجاوز الثانية عشرة من عمره يكتب بحثاً عن أصل الصلاة وتقسيمها وأوقاتها، يكتبها هذا التلميذ النابغة لأنه رأى الذين يدعون أنهم يسيرون على قواعد الدين الصحيحة يجهلون حقيقة الصلاة. واتجاهه في صغره إلى هذا النوع من البحث هو الاتجاه الذي سيتخذه طول حياته. فكأن كان منذ الطفولة إذاً معيناً بمسائل الدين، منصرفاً إلى البحث في العقائد والعبادات.
ثم يتجه إلى الدراسات الشرقية وهو لا يزال في سن السادسة عشرة فيترجم وهو في هذه السن قصتين من التركية إلى اللغة المجرية، تنشرها له إحدى المجلات، ويضعهما تحرير هذه المجلة تحت عنوان «مستشرق في السادسة عشرة».
ومنذ هذه السنة، سنة 1866، وهو في كل سنة يخرج بحثاً أو طائفة من الأبحاث بين كتب ضخمة قد يتجاوز حجم المجلد الواحد منها أربعمائة صفحة، وبين مقالات متوسطة الحجم بين العشرين والستين صفحة وتعليقات صغيرة وبحوث نقدية تعريفاً بالكتب التي تظهر باستمرار، حتى بلغت مجموعة أبحاثه، كما بينها فهرست مؤلفاته، 592 بحثاً.
وطبيعي أنَّا لن نستطيع أن نتحدث عن هذه الأبحاث كلها وإنما نحن سنتناول بالتحليل والتلخيص أهمها وأخلقها بالعناية، وسنقتصر من بين هذه الأخيرة على التحدث عما هو خاص بالدراسات الإسلامية وحدها.
فأول أبحاثه القيمة الخطيرة في المسائل الإسلامية كتابه عن «الظاهرية: مذهبهم وتاريخهم» الذي ظهر سنة 1884. ولو أن عنوان الكتاب يدل على أنه خاص بمذهب الظاهرية، فإن الكتاب في الواقع مقدمة رائعة في الفقه. فهو لا يقتصر فيه على دراسة هذا المذهب الذي اندرس ولم يَعد له أتباع ولم يعد له من يُعنى بالكتابة فيه منذ زمان طويل، بل هو يدرس خصوصاً أصول المذاهب الفقهية المختلفة، وعن الإجماع والاختلاف بين أئمة المذاهب، وعن الصلة بين هذه المذاهب وبين المذهب الظاهري وما بينها وبين بعض من فروق فيقدم لنا بذلك نظرة شاملة عن جوهر الفقه عامة. وهو في بحثه في هذا المذهب يسير على المنهج الذي أوضحناه آنفاً، فيتحدث عن تطوره ونموه، ثم عن امتداد أصول الظاهرية من البحوث الفقهية إلى البحوث الكلامية وتطبيق هذه الأصول في العقائد الدينية على يد ابن حزم. ويتابع هذا التطور، ويحدد الاتجاهات التي اتخذها، ويرسم المنحنيات التي سار فيها، حتى يصل به إلى ابن تيمية والقريزي.
ويزيد في أهمية هذا الكتاب كذلك أنه اعتمد فيه أكثر ما اعتمد على مصادر لم تكن قد طبعت بعد.
ولا بد أن نعبر خمس سنوات كي نجد كتاباً عظيماً كان لا يزال له أخطر الأثر في الدراسات الإسلامية، وبخاصة فيما يتصل بالبحث في الحديث، ونعني به كتابه «دراسات إسلامية» الذي ظهر الجزء الأول منه سنة 1889، والجزء الثاني في العام التالي.
في الجزء الأول من هذا الكتاب يتحدث جولدتسيهر عن «الوثنية والإسلام» وينظر إلى هذه المسألة نظرة جديدة تختلف عن نظرة من عاصره من المستشرقين مما عنوا بدراسة هذه المسألة نفسها، مثل فلهوزن. فالكفاح الذي قامت به الروح الوثنية العربية الجاهلية ضد الروح الإسلامية الجديدة التي لم تقتصر على العرب وحدهم، بل شاعت في كل الأمم التي دخلت الإسلام، يصوره جولدتسهير تصويراً رائعاً. فيذكر كيف قام الصراع بين الروح الوثنية الجاهلية، وهي الروح التي تلخص مثلها الأعلى في فضيلة «المروءة» وتسودها نزعة أرستقراطية، تنحو نحو تمجيد الدم العربي وتفضيله على دماء الأجناس الأخرى، وبين الروح الإسلامية التي جاءت تنادي بالمساواة بين الأجناس، وتنكر عصبية الدم، وتنزع نزعة ديمقراطية، وتقول بأن لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. وكان هذا الصراع صراعاً قوياً هائلاً انتهى بهزيمة الروح الوثنية الجاهلية الأرستقراطية، وانتصار الروح الإسلامية الديمقراطية. وما لبث أن قام من جديد نزاع بين الروح العربية وبين الروح الفارسية، بين روح الغزاة غير المتحضرين، وبين روح المهزومين ذوي الحضارة الممتازة والثقافة الرفيعة. وهنا كانت الهزيمة أيضاً من حظ الروح العربية، ولم يكن لها من انتصار في هذا النزاع الحضاري الثقافي إلا في اللغة والشعر، والفقه إلى حد ما.
وأهم من هذا وأخطر، الجزء الثاني من هذا الكتاب. ففي النصف الأول منه تجد أعظم بحث كتب في الحديث، كان مقدمة لسلسلة خطيرة من الأبحاث التي تلته والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم. ففي هذا القسم من الكتاب قدم لنا جولدتسيهر صورة صادقة ونظرة نافذة في تاريخ الحديث وتطوره وكشف لنا عن قيمة الحديث لا باعتباره حقائق، وإنما باعتباره مصدراً عظيماً لمعرفة الاتجاهات السياسية والدينية والروحية عامة، والتي وجدت في الإسلام في مختلف العصور. لأن الحديث كان سلاحاً تستخدمه الفرق الإسلامية في نضالها المذهبي، والمذاهب السياسية في كفاحها السياسي والتيارات الروحية في محاولاتها السيطرة والسيادة في ميدان الحياة الروحية الإسلامية. فقيمته ليست إذاً فيما يورده من أخبار، بل فيما يكشف عنه من ميول وتيارات استترت من ورائه واختفت تحت ستاره.
وفي قسم آخر من هذا الجزء الثاني يتحدث جولتسيهر عن تاريخ تقديس الأولياء في الإسلام وطبيعة هذا التقديس، فيبين كيف صور هذا التقديس، وما الصلة بين هذه التصورات الشعبية وبين التصورات الوثنية أي الجاهلية، ويقسم هؤلاء الأولياء بحسب أماكن تقديسهم، ويبين ما هناك من فروق محلية بين نماذج الأولياء في الأماكن المختلفة.
أما الأبحاث التي ظهرت فيها قدرة جولدتسيهر الفائقة على المقارنة، تلك القدرة التي تحدثنا عنها من قبل، فأهمها بحث له ألقاه في المؤتمر الأول الدولي للأديان الذي انعقد، في باريس سنة 1900، ونشر في المجلد الثالث والأربعين من «مجلة تاريخ الأديان» بعنوان «الإسلام والدين الپارسي». في هذا البحث يكشف جولدتسيهر لأول مرة عما كان لدين دولة الأكاسرة من تأثير في الإسلام في عهده الأول.
ثم عنى جولدتسيهر أيضاً بنشر بعض الكتب المهمة، فنشر كتاب المعمَّرين، لأبي حاتم السجستاني سنة 1899، وقدم له ببحث في هذا النوع من المؤلفات ذكر فيه من كتب كتباً من هذا النوع باللغة اليونانية أمثال لوقيان وفليجون الترلي Lucian Phlegon aus Tralles. وكتب جولدتسيهر مقدمة كتاب «التوحيد» لمحمد بن تومرت مهدي الموحدين وق نشره لوسياني سنة 1903 بمدينة الجزائر، وأخيراً نشر جولدتسيهر نشرته القيمة لفصول من كتاب «المستظهري» في الرد على الباطنية للغزالي 1916 بمدينة ليدن، وفي مقدمة هذه النشرة تحدث عن فكرة «الاجتهاد» و «التقليد» وأماط اللثام عن النزاع الذي كان على أشده في العصر الذي بلغت فيه الدعوة الفاطمية والإسماعيلية من جهة وبين رجال السُّنة ومذهب أهل السنة بعد أن تناوله الغزالي بالإصلاح من جهة أخرى.
ولكن أشهر أبحاث جولدتسيهر وأعظمها نضوجاً وتأثيراً كتاباه المشهوران: «محاضرات في الإسلام» المطبوع بمدينة هيدلبرج 1910، و «اتجاهات تفسير القرآن عند المسلمين» المطبوع بمدينة لين سنة 1920.
أما الكتاب الأول فعبارة عن نظرة عامة في الإسلام من جميع نواحيه، نظرة تركيبية واضحة، قد حوت جوهر الحياة الروحية الإسلامية كلها كما يراها جولدتسيهر. فهو في الفصل الأول منه يتحدث عن «محمد والإسلام»، ويبين ما لفكرتي الضمير وطهارة القلب من دور كبير في الإسلام. وفي الفصل الثاني بحث واسع في «تطور الشريعة» فيه يعطينا صورة عامة عن تاريخ الحديث، ويبين لنا خصائص الفقه في ابتداء نشأة المذاهب. وأهم من هذين الفصلين الفصل الثالث الخاص بتطور علم الكلام، ففيه يتحدث عن تطور نظرية الجبر والاختيار في القرآن، وعن الفروق بين المعتزلة وأهل السنة من ناحية السلوك الأخلاقي والعبادة. وينكر صفة حرية الرأي التي توصف بها المعتزلة. ثم يعنى عناية خالصة بالأشعري ومذهبه، وينصف الماتريدي فيتحدث عنه طويلاً، بعكس ما تفعله كتب تاريخ الكلام، التي تهمله إهمالاً غير لائق. ويلي ذلك فصل رابع عن «الزهد والتصوف»، وفيه يعالج موضوع التصوف فيبين كيف نشأ أولاً على صورة زهد ساذج أوّلي، وكيف تطور بتأثره بالمؤثرات الهندية والهلينية حتى وصل إلى مذهب وحدة الوجود في القرن السابع الهجري. والفصلان الأخيران يبحث أولهما في الفرق القديمة (الخوارج، والشيعة)، ويبحث ثانيهما في الفرق المتأخرة (الوهابية والبابية والبهائية والسيخ والأحمدية) وفي المحاولات التي بذلت من أجل توحيد الفرق وإيجاد وفاق بين السنة والشيعة.
فالكتاب صورة كاملة متناسبة الأجزاء للحياة الروحية في الإسلام.
أما الكتاب الآخر الذي توج به تلك الحياة العلمية الخصبة القوية فهو في تاريخ تفسير القرآن. يستهل جولدتسيهر هذا الكتاب بالحديث عن الخطوة الأولى من خطوات تفسير القرآن، وهي الخطوة التي تكوِّن تاريخ النص نفسه، وعما فيه من اختلاف في القراءات، وعن الأسباب التي ترجع إليها هذه الاختلافات. وبعد هذا يبدأ الكلام في الاتجاهات المختلفة في تفسير القرآن. فيتناول بالحديث أولاً بالاتجاه القديم الذي تمثله مدرسة ابن عباس، ويمتاز بنفور أصحابه من «التفسير»، واقتصارهم على الشرح الحرفي الذي لا يكاد يتجاوز النحو ومعاني الألفاظ. لأنهم كانوا يشعرون بأن من الخطأ أن يريد الإنسان أن يعرف أكثر مما أراد الله لنا أن نعرف. وكان يؤخذ عن اليهودية والنصرانية ما يتفق مع ما أتى به القرآن. ولكن لم يكن هناك تفسير واحد متفق عليه من جميع من عُنوا بالتفسير في ذلك الحين، بل قد روي عن الشخص الواحد تفسيرات متناقضة متضاربة. ثم يتلو ذلك الحديث عن الاتجاه العقلي الكلامي الذي بدأته المعتزلة واتخذته الفرق الكلامية الأخرى حتى انتهى بـ «الكشاف» للزمخشري. وفي هذا الاتجاه الجديد أصبح تفسير القرآن أكثر تدقيقاً وأشد عمقاً، فدخلت فيه المسائل الكلامية والنزعات العقلية، وأصبح شديد التعقيد مليئاً بالمناظرات الدينية المتصلة بالعقائد.
وينزل الصوفية ميدان التفسير وفي يدهم سلاح خطير ذو حدين هو التفرقة بين الظاهر والباطن، بين التفسير الظاهري التأويل الباطني الخفي فيأتون باتجاه في تفسير القرآن مختلف أشد الاختلاف مع الاتجاهات السابقة واللاحقة. وهنا يعنى جولدتسيهر بالحديث عن هذا الاتجاه الصوفي في تفسير القرآن، فيكرس له أكبر أقسام الكتاب، متحدثاً عن تطور هذا الاتجاه، وعن تشعب مناحيه تبعاً لاختلاف أصحابه بعضهم عن بعض، مبتدئاً بإخوان الصفا، ماراً بالغزالي، حتى يصل إلى ابن عربي، فيتحدث عنه حديثاً طويلاً رائعاً.
وتغالي الفرق المتطرفة في هذا الاتجاه مغالاة شديدة، وعلى رأسها الشيعة، فتمثل اتجاهاً في تفسير القرآن لا يتصل بالنص إلا أوهن اتصال، اتجاهاً يمعن في الرمزية ويغرق في التأويل إلى حد لا يكاد الإنسان يستطيع تصوره.
وأخيراً يختم الكتاب بعرض رائع للاتجاه العصري في تفسير القرآن، وهو اتجاه المجددين الذين جعلوا شعارهم قولهم إن باب الاجتهاد مفتوح. وهم في هذا الاتجاه يسلكون سبلاً شتى؛ ويرمون إلى أغراض مختلفة. فمنهم من يرمي من ورائه خصوصاً إلى تصوير الناحية الحضارية في الإسلام، كما فعل أمير علي، ومنهم من يُعنى بالناحية الإيمانية المتصلة بالعقيدة، يرمون من وراء ذلك إما إلى تخليص الإسلام من الشوائب التي خلت عليه وإرجاعه إلى ما كان عليه عند السلف، متأثرين أشد التأثر بابن تيمية، كما هي الحال بالنسبة إلى مدرسة الشيخ محمد عبده؛ وإما إلى الدفاع عن الإسلام بإزاء النظريات الجديدة التي أتت من أوروبا فزعزعت إيمان المثقفين وحلت من أفئدتهم عقدة الدين.
وهكذا يقدم لنا جولدتسهير في الظاهر تاريخاً حياً لتفسير القرآن، بينما هو في الحقيقة إنما يعرض لنا فيه مرآة صافية انطبعت فيها صورة واضحة للحياة الروحية طوال ثلاثة عشر قرناً عند ملايين الملايين من المسلمين.