ا |ب |ت |ث |ج |ح |خ |د |ذ |ر |ز |س |ش |ص |ض |ط |ظ |ع |غ |ف |ق |ك |ل |م |ن |ه |و |ي
 طباعة

فِشَر (أوجست)

المصدر: موسوعة المستشرقين للدكتور عبد الرحمن بديوي، 1992

August Fischer
(1865 – 1949)
مستشرق ألماني اختص باللغة العربية: نحواً وصرفاً ومعجماً، مواصلاً الدرب الذي بدأه أستاذه اللغوي العظيم هينرش ليبرشت فليشر Heinrich Leberecht Fleicher مؤسس ما يعرف باسم مدرسة ليپتسك Leipziger في الاستشراق الألماني. وعلى منهجه سار: ويقوم هذا المنهج على الاستناد الوثيق إلى الشواهد اللغوية العربية في المقام الأول، وإلى أعمال اللغويين والنحاة العرب، والابتعاد عن الفروض التي قد تكون بارعة ولكنها واهية الأساس.
ولد أوجست فشر في 1865 وتوفي في 14 فبراير 1949.
وحصل على الدكتوراه الأولى في نهاية 1889 من جامعة هلّه Halle (على نهر الزاله) برسالة عنوانها: «تراجم حياة الرواة الذين اعتمد عليهم فيها على كتب الرجال، خصوصاً «ميزان الاعتدال» للذهبي ـ ولم يكن قد طبع بعدُ، فاعتمد على مخطوطات في برلين وجوتا.
لكن قدرته اللغوية الفائقة على فهم العربية، ونصوصها الشعرية الجاهلية إنما تتجلى بكاملها ابتداء من 1895 في ثلاث دراسات كرسها لنقد نشرة ر. جاير R. Geyer لديوان أَوْس بن حجر، التي ظهرت في فيينا 1892 (SWA, Bd. 126, Nr. 13) بعنوان: «قصائد وشذرات أوس بن حجر» Gedichte und Fragmente des aus ibn Hajar والدراسة الأولى نشرت في Götting. Gelehrete Anzeigen (1895، ص 371 ـ 395). والثانية وعنوانها: «تصحيحات وإضافات إلى نشرة ر. جاير لأوس بن حجر» ظهرت في مجلة ZDMG (جـ 49، 1895، ص 673 ـ 680). وقد عاود البحث في شعر أوس بن حجر في مقال رابع نشره في مجلة ZDMG (1910، جـ 64، ص 154 ـ 160) بعد ذلك بخمس عشرة سنة. وبهذه الدراسات كشف فشر عن علمه الدقيق بالشعر الجاهلي وبالعربية الجاهلية.
ثم عمل بعد ذلك في «معهد اللغات الشرقية» في برلين من خريف 1896 إلى ربيع 1900 مدرساً للغة العربية وأميناً للمعهد ومحافظاً لمكتبته. وفي هذه الفترة أتقن لغة التخاطب العربية، وخصوصاً باللهجة المغربية المراكشية بفضل معونة مدرس للهجة المغربية يدعى السيد الجيلاني الشرقاوي. وكانت ثمرة ذلك عدة مقالات عن اللهجة المراكشية، بدأها بمقالة جمع فيها أمثالاً مغربية (نشرها في MSOS جـ 1، 1898، ص 188 ـ 230)، وعنوان المقالة: «أمثال مراكشية»، وتلاها ببحث عن: «نغمة الكلام في اللهجة المراكشية» MSOS (جـ 2، 1899، ص 275 ـ 286)، وعن: «ظاهر (أو ظهير) في اللهجة المراكشية» (ZDMG ج ت67، سنة 1913، ص 384) كما كتب مقالاً عن «الوالي المراكشي الكبير عبد السلام بن مشيش» (ZDMG جـ 71، 1917، ص 209 ـ 222)، وعن «المؤرخ المراكشي أبو القاسم الظجاني» (ZDMG جـ 71، 1917، ص 223 ـ 226).
وكان فشر شديد الاهتمام باللهجات العربية الحية، لأنه كان يعتقد أنه سيستطيع أن يستخلص منها ليس فقط نظرات قيمة في سرّ اللغة العربية، بل وأيضاً في فهم اللغات السامية بوجه عام.
وكان أول اتصال له بالعالم العربي رحلته إلى المغرب التي قام بها في أواخر صيف وفي خريف 1898، زار في أثنائها طنجة، والدار البيضاء، وموجادور، ومدينة مراكش.
وبعد وفاة سوسين Socin (في 24 يونيو 1899) شغل كرسي اللغات الشرقية في جامعة ليبتسك، وهو الكرسي الذي شغله قبل ذلك أستاذه فليشر من 1835 حتى 1888. وبدأ عمله في منصبه هذا في ربيع 1900. ومنذ ذلك التاريخ أقام في ليبتسك، وجعل من جامعتها مركزاً قوياً للدراسات الشرقية، وخصوصاً العربية، في ألمانيا، فأمّها دارسو العربية وعلومها من سائر الأنحاء. ويذكر عنه تلاميذه أنه كان نموذج الأستاذ في دروسه ومحاضراته، من حيث التدقيق في فهم دقائق النصوص العربية التي كان يتولى شرحها. وقد استمر في منصبه هذا حتى 1939، وخلفه فيه تلميذه بروينلش E. Bräunlich في خريف 1939. لكنه استمر، بعد تقاعده، يواصل التدريس بصفة شخصية في منزله. وحتى قبل وفاته بأيام ـ رغم أنه كان في الرابعة والثمانين من عمره ـ كان يشرح لبعض تلاميذه ديوان امرئ القيس! وكان في إرشاده لطلابه حريصاً على أن يؤكد لهم الأهمية القصوى لمعرفة اللغة العربية معرفة دقيقة شاملة تشمل النحو المعجم والاستعمال اللغوي، وذلك قبل التصدي لأي بحث في ميدان الدراسات العربية والإسلامية مهما يكن هذا الميدان: تاريخاً، فقهياً، فلسفة، أصول دين، إلخ. لكن ما أندر المستعربين الذين اخذوا بهذا المبدأ وخصوصاً في الجيل الحالي الذي برز منذ 1940 حتى اليوم!
وكان يرى ـ كما كان يرى أستاذه فليشر ـ أن دراسة النحو هي لبّ الفيلولوجيا العربية ومن هنا شغلت المسائل النحوية مكاناً واسعاً جداً في أبحاثه ومقالاته.
وإلى جانب ذلك عني بدراسة تاريخ اللغة العربية من أقدم نصوصها حتى لهجاتها المحلية الحالية. وحرص على تحليل لغة الشعر بوجه خاص، لأنه وجد في الشعر أرسخ الشواهد لمعرفة العربية. ومن هنا اهتم بجمع كل الشواهد الشعرية الواردة في كتب النحو وشروح الشواهد. وفي هذا الميدان صنّف «فهرست الشواهد» Schawâhid Indices وهو ثبت شامل بالشواهد (بحسب القوافي) والشعراء التي ـ والذين ـ وردت ـ ووردوا ـ في شروح الشواهد وما شابهها من مصنفات؛ وعاونه في ذلك أرش بروينلش. وظهر هذا الفهرست في برلين وليپتسك في 1945 لدى الناشر هرسوفتش هكذا:
Schawâhid – Indices. Indices des Reimwörter und der Dichter der in den Arabischen Shawâhid- Kommentaren und in verwandten Werken erläuterten Belegverse. Zusammengestellt und herausgegeben von A. Fischer und Erich Bräunlich. Berlin und Leipzig. Otto- Harrassowitz, 1945.
كذلك تناول بالتحليل اللغوي الدقيق مواضع مختارة من كتاب: «الفصول والغايات» لأبي العلاء المعرّي الذي قيل عن المعري كتبه معارضة للقرآن، وذلك في كتاب بعنوان: «قرآن أبي العلاء المعري» (ليپتسك، 1942، عند الناشر Hirzel في مجموعة BVSAW, Bd.94, Heft2، ويقع في 100 صفحة). انتهى في هذا البحث إلى أن الزعم بأن أبا العلاء أراد بهذا الكتاب أن يعارض القرآن هو زعم باطل.
ومن الطبيعي في هذا المجال أن يعنى فشر بدراسة لغة القرآن. وأوسع ما له في هذا الباب دراسته «عن قيمة الترجمات الموجودة للقرآن والسورة الثالثة» (سورة آل عمران). وقد نشرها في شكل كتاب صغير، في ليپتسك 1937 لدى الناشر Hizel (في مجموع، BVSAW. Bd. 89. Heft2). وقد فسّر لغة هذه السورة بتفصيل وتدقيق، متحفظاً مع ذلك في استعمال القراءات الخاصة بهذه السورة. وقد تناول هذا الموضوع قبل ذلك في محاضرة بعنوان: «في قيمة الترجمات الموجودة للقرآن» (نشر ملخصها في BVSAW 1935 جـ 87، كراسة 3 ص 2 ـ 4)، وفي محاضرة أسبق منها بعنوان: «الهجاء الجاهلي في القرآن: السورة الثالثة» (نشر ملخصها في ZDMG 1933 ص 10 ـ 12).
وكان فشر يكره الاتجاه الذي ساد عند المستشرقين الباحثين في القرآن وهو إبراز تأثير الاتصال مع اليهود والنصارى، ولهذا فلا بد أن يتأثر في المقام الأول بعاداتها وأعرافها وبلغة شعرائها وأشكالها التي لعبت دوراً كبيراً في الحياة الروحية للعرب الوثنيين» («قرآن أبي العلاء المعري» ص9، ليپتسك 1942). ومن ثم ربط فشر بين لغة وأسلوب الكهان في الجاهلية العربية وبين لغة القرآن. وأولى أهمية كبيرة للشعر الجاهلي من أجل تفسير القرآن.
أما عن العربية الفصحى والإعراب، فقد كان من رأي فشر أن العربية الفصحى لم تنشأ من لهجة قريش، وإنما هي تقوم على أساس لغة الشعر الجاهلي، وهذه اللغة بدورها لم تكن لغة العرب القدماء بشكل عام، بل لا بد أن تكون قد قامت على لهجة واحدة من لهجاتهم. وفيما يتصل بالإعراب يرى فشر، مثلما رأى لاندبرج landberg، أن سكان مكة والمدينة وأجزاء من المناطق المحيطة بهما كانوا قد تخلوّا عن الإعراب في زمان النبي وقبله.
ومن رأي فشر أن ثمّ أربعة أصناف متميزة للغة العربية هي:
1 ـ لغة الشعر الجاهلي؛
2 ـ لغة القرآن؛
3 ـ لغة النثر الواردة في «السِّير» و «المغازي»؛
4 ـ لغة الحديث النبوي.
ونذكر من دراساته القرآنية الأخرى وحول النبي صلى الله عليه وسلم:
1 ـ بحثاً بعنوان: «محمد وأحمد، اسمان للنبي العربي». ليپتسك، عند الناشر Hirzel 1932 (BVSAW المجلد رقم 42، الكراسة 3).
2 ـ «سورة البقرة، آية 191» (ZDMG جـ 65، 1911، ص 794 ـ 6)؛ ومرة أخرى في ZDMG جـ 66، 1912، ص 294 ـ 299.
3 ـ «آية مقحمة في القرآن»، نشر في المجلد التذكاري المهدي إلى تيودور نيلدكه بمناسبة بلوغه السبعين، ص 33 ـ 55. جيسن، 1906.
4 ـ «تعليق على الآية 6 من السورة 101» (ZDMG جـ 60، ص 371 ـ 374).
5 ـ «الاسم: «محمد» و «Kup – Kupios عند البيزنطيين» (ZDMG جـ 99، 1949، ص 58 ـ 62).
6 ـ «اسم «محمد» وتقديسه عند المسلمين»، ضمن كتاب Baiträge zur Arabistik, Semistik und Islamswis senschaft، ليبتسك 1944، عند الناشر هرّسوفتس، ص 307 ـ 339.
ولما كان فشر قد شعر بنقص المعاجم العربية لافتقارها إلى الشواهد في كل حالة، فقد وضع مشروعاً لمعجم عربي شامل يستند في كل معنى ينطوي عليه الفظ إلى شواهد، خصوصاً من الشعر، والشعر الجاهلي والأموي على وجه التخصيص. وأعلن عن مشروعه هذا لأول مرة في 1907، أثناء انعقاد مؤتمر الفيلولوجيين الألمان في بازل 1907، ثم في المؤتمر الولي للمستشرقين الذي انعقد في كوبنهاجن 1908، والذي انعقد في أثينا 1912. ومن محاضر جلسات هذه المؤتمرات يتبين أن هذا المعجم يختص باللغة العربية «القديمة»، أعني لغة الشعر منذ البداية حتى نهاية العصر الأموي، ولغة القرآن، ولغة الحديث، ولغة أقدم المؤرخين، وأنه سيستغل المواد العجمية التي خلفها المستعربون الأقدمون، وفي المقام الأول: فليشر وتوربكه. ويقوم المعجم على أساس الشواهد المباشرة من المصادر، وهذه المصادر تشمل: النقوش الجاهلية، الشعراء، القرآن، الحديث؛ ثم الاستعانة بالمعاجم التي نشرها أو خلفها مخطوطة: دوزي، وفليشر، وتوربكه، وألفرت، وجولدتسهير.
وبدأ أوجست فشر العمل في هذا المعجم في 1913 بوضع جذاذات مستخرجة من المجاميع والدواوين الشعرية: «المعلقات»، «المفضليات» «الأصمعيات»، «الحماسة» لأبي تمام، «ديوان الهذليين» نشرة كوزجارتن، «دواوين الشعراء الستة الجاهليين»، دواوين: عبيد بن الأبرص، المتلمس، أوس بن حجر، الخِرْنق، عامر بن طفيل، السموأل، لبيد، الخنساء، «مراثي شواعر العرب»، الحطيئة، الشماخ، عمر بن أبي ربيعة، ابن قيس الرقيات، الأخطل، القطامي، الكميت (الهاشميات)، القُحَيف العقيلي، والمتنبي. ثم من كتب الحديث التالية: البخاري (نشرة كريل Krehl)؛ وأجزاء من تاريخ الطبري. وقد بلغ عدد الجذاذات حتى 1918 حوالي اثني عشر الف جذاذة (راجع مقالة فشر في ZDMG جـ 72، 1918، ص 299 ـ 202).
وكان يعاونه في هذا العمل: بدرسن Johs. Perdersen، وجون لويس أخنوخ (مصري من منفلوط)، ومنير حمدي (مصري من القاهرة)، وأماليا رودنبرج. كذلك اشترك في العمل أرتور شاده Arthur Schaade، وأرش بروينلش.
وأنشئ مجمع اللغة العربية في مصر في 1932 وعُين فشر عضواً فيه فاستأنف العمل بحماسة ي هذا المعجم، وصار يتردد على القاهرة في شتاء كل عام حتى 1939، وفي هذه الفترة استعان ببعض العاملين في المجمع. لكن قامت الحرب في 1939، ولم يستطع فشر العودة إلى مصر، خصوصاً وقد ألغي تعيينه في عضوية المجمع في 1945. لكن ماذا كان مصير المواد التي جمعت ووضعت أمانة لدى مجمع اللغة العربية؟ لقد بددها المجمع، خصوصاً أثناء انتقال داره من شارع قصر العيني إلى شارع مراد بالجيزة، ولم يبق منها إلا القليل الذي حاولت جامعة توبنجن وغيرها من الجامعات الألمانية تصويره، ابتغاء استئناف العمل في هذا المعجم. لكن الأمر وقف عند هذا الحد: فلم يواصل أحدٌ العمل ترغم الدعاوى الكثيرة ـ وضاع الشطر الأكبر الذي صنعه ومساعدوه.
والملاحظ على إنتاج فشر أنه لا يتضمن أي كتاب كبير الحجم، ذلك لأنه كان يعتقد أنه لم يئن الأوان لكتابة مؤلفات تركيبية واسعة في باب النحو واللغة العربية. ومن ثم كانت الغالبية العظمى من أبحاثه تعليقات صغيرة، وتصحيحات لغوية مفيدة، نذكر منها:
1 ـ «المسألة الزنبورية» (مقال في «مجلد من الدراسات الشرقية مهدي إلى ادورد ج. براون بمناسبة بلوغه الستين. كمبردج 1922، ص 150 ـ 156).
2 ـ «أَمرؤ القيس أو إمرؤ القيس» (ZS, I, 1922, p.p. 196 – 9).
3 ـ «بطّوطة وليس: بَطُوطة» (أي بتشديد الطاء) (ZDMG جـ 72، 1918، ص 289).
4 ـ «أسماء الإشارة للمؤنث: هذِهِ، ذِهِ، تِه، هذِهْ، ذِهْ، تِهْ ـ وهذِهي، ذِهِي تِهي» (Islamica جـ 17، كراسة 1، 1927 ص 44 ـ 50؛ جـ 3، كراسة 4، 1928 ص 491).
5 ـ «تركيب المصدر: ضَرْبُ عَمْرو زَيْدٌ» (Islamica جـ 5 كراسة 4، 1932، ص 491 وما يليها).
6 ـ «الكلمة العربية»: «أَيْش» (ZDMG جـ 59، 1905، ص 807 ـ 818).
7 ـ «أَبْلِ وأخلِفْ» (ZDMG جـ 59، 1905، ص 720).
وهذا نموذج لألوان التعليقات اللغوية التي صرف إليها فيشر جلّ عنايته.
والواقع أنه على الرغم من امتداد عمره حتى بلغ الرابعة والثمانين، فإن إنتاجه ضئيل، وكان سيكون عظيماً وباقياً لو أنه انتهى من معجمه ذاك.