ا |ب |ت |ث |ج |ح |خ |د |ذ |ر |ز |س |ش |ص |ض |ط |ظ |ع |غ |ف |ق |ك |ل |م |ن |ه |و |ي
 طباعة

فمبيري

المصدر: موسوعة المستشرقين للدكتور عبد الرحمن بديوي، 1992

ARMINIUS VAMBÉRY
(1832 - ) مستشرق مجري، عني باللغات التركية.
ولد فمبيري في سنة 1832 في أسرة شديدة الفقر، وتوفى والده بعد بضعة أشهر من مولده. وعانى من شظف العيش أهوالاً منذ نعومة أظفاره. فلقد اضطر وهو في الثانية عشرة من عمره إلى العمل لكسب قوته اليومي، فاشتغل أولاً في محل خياطة للسيدات، ثم معلماً لابن صاحب حانة. وبعد أن ادخر بعض المال سافر إلى مدينة سانت جورج بالقرب من Pressburg ليتعلم في مدرستها الثانوية. وفي سنة 1846 سافر إلى برسبورج لمواصلة الدراسة. وفي السنة التالية أنشأ في قراءة كتب الأدب، وأخذ في تعلم اللغة الفرنسية، وكان قد تعلم اللغة الألمانية في طفولته، فصار يحسنها إلى جانب لغته الأصلية وهي المجرية. كذلك تعلم اللاتينية واليونانية. وهكذا صار وهو في السادسة عشرة من عمره يحسن: الألمانية، والفرنسية، والسلوفينية واللاتينية، واليونانية، إلى جانب إتقانه للغة الأصلية وهي المجرية.
وهفت نفسه إلى الأسفار، وجعل مجالها آسيا. فكان عليه إتقان اللغات الآسيوية، فبدأ باللغة التركية. ولم يصعب عليه تعلم اللهجة التركية الأورالية الألتائية، نظراً لمشابهتها للغة المجرية. ولم يبلغ العشرين من عمره حتى صار يعرف اللغة التركية.
وبدأ الأسفار بمعونة من البارون المجري يوسف أيوتفوس Joseph Eotvos وكان كاتباً مجرياً معروفاً في سائر أوروبا وبدأ الرحلة من جالش Galacz متوجهاً في سفينة تمخر نهر الدانوب صوب استانبول، وذلك في سنة 1854.
ولما وصل استانبول استقر به المقام طويلاً في عاصمة الدولة العثمانية وقبل العالم الإسلامي آنذاك. وهنا صنف أول مؤلفاته وهو قاموس ألماني ـ تركي صغير الحجم، طبعه في سنة 1858. وأخذ في ترجمة ما كتبه المؤرخون العثمانيون عن المجر. وصار يتردد على المكتبات في التكايا. واستعان بمعلم أصله من آسيا الوسطى، يدعى مُلاّ خالمراد، الذي راح يحكي له قصصاً وحكايات عن بخارى وسمرقند، مما أثار الرغبة في فمبيري لزيارة تلك البلاد.
وبفضل ترجماته هذه لما كتبه المؤرخون العثمانيون عن المجر، عيّنته أكاديمية المجر عضواً مراسلاً. وزودته «برسائل توصية موجهة إلى السلاطين والخانات والبكوات في بلاد التتار، وباللغة اللاتينية. وفي رحلاته هذه سيلبس فمبيري زي درويش ويدّعي الإسلام.
فودع القرن الذهبي وشاطئ البسفور قاصداً آسيا الوسطى. فتوجه أولاً إلى أرضروم، ومنها إلى صدر الإمبراطورية الفارسية. ومن هناك سافر إلى تبريز، ثم زنجان، ثم قزوين، ثم طهران.. وسافر إلى قم حيث زار قبر فاطمة المعصومة. ومن ثم سافر إلى أصفهان، وإلى پرسپولس، وشيراز وهناك تهيأ للسفر إلى وسط آسيا. فرحل إلى خيوا، ومنها سافر إلى بخارى، وسمرقند، وهرات، ومشهد وعاد من مشهد إلى طهران؛ وبعد إقامة قصيرة في طهران سافر عائداً إلى استانبول، مروراص بطربزوند. ولما وصل إلى استانبول، زار الوزير الأعظم عالي باشا، ليقدم إليه تقريراً عن الأحوال السياسية في إيران وآسيا الوسطى. وكان عالي باشا يقتني مجموعة فريدة من المخطوطات بلغة شغتاي أي التركية الشرقية.
وركب السفينة في الدانوب في مايو سنة 1862 متجهاً إلى پست (أحد شطري مدينة پوداپست، عاصمة المجر). فلما وصل إلى بست قابل البارون يوسف إيوتفوس Eotvos السالف الذكر، وكان نائب رئيس أكاديمية المجر، ومؤلف كتاب «الأفكار السائدة في القرن التاسع عشر». فلما عرض على هذا البارون ما جاء به من معلومات عن آسيا الوسطى وإيران، نصحه البارون بالذهاب إلى إنجلترة ففيها خير من يهتم باكتشافاته الجغرافية والأثنوغرافية. وكان قد أسدى إليه نفس النصيحة مستر طومسون الوزير البريطاني المفوض لدى بلاط فارس في طهران.
وسافر إلى لندن، بناء على نصيحة البارون.. وهنا زار أولاً سير هنري رولنسون Henry Raulison، وكان حجة فيما يتصل بآسيا الوسطى، وكان قبل ذلك سفيراً لبريطانيا في إيران ويتقن اللغة الفارسية. فتبادلا الحديث عن تحركات الروس لغزو إيران وعن استيلاء دوست محمد خان على هرات، وعن حملة أمير أكاري ضد كوخنذ لصالح خدايار خان. وبعد ذلك زار رودريك مارتشسون Roderick Murchusion رئيس الجمعية الجغرافية الملكية، فدعاه إلى إلقاء محاضرة أمام أعضاء الجمعية الجغرافية عن أسفاره.
وهنا في لندن أخذ في كتابة كتاب عن رحلاته عنوانه: «رحلات في آسيا الوسطى» فأتم تأليفه في ثلاثة أشهر، وأنجز طبعه هناك عند الناشر جون مرّى Murray. وبعد ظهور الكتاب أقام شهرين في لندن. وزار فرنسا، وألمانيا والمجر من أجل نشر كتابه هذا بلغات مختلفة. وأمكنه زيارة لورد بالمرستون، رئيس وزراء إنجلترة، وراح يحثه عن دوست محمد خان، وأمير أكاري، وتقدم الجيش الروسي في اتجاه طشقند، وكانوا قد وصلوا إلى جمكنت في ذلك الوقت. ويروى فمبيري («حياته ومغامراته بقلمه» من 340 ـ 341) أن بالمرستون لم يكن يحفل بما يقوله فمبيري عن الخطر الروسي على آسيا الوسطى.
وتحدث مع «لورن كلارندون» فكان صريحاً إلى درجة الإقرار بما قلته في الفصل الأخير من كتابي. لكنه أضاف في الوقت نفسه قائلاً ما صار المبدأ الثابت عند المتفائلين في إنجلترة، وهو: «إن سياسية روسيا في آسيا الوسطى تسير في نفس الإطار الذي تسير عليه سياستنا نحن في الهند؛ إنها مرغمة على التحرك تدريجياً من الشمال صوب الجنوب، تماماً مثلنا نحن، ونحن مضطرون أن نفعله في المسيرة من الجنوب إلى الشمال. إنها (روسيا) تؤدي خدمة إلى المدنية، ونحن لا نهتم كثيراً حتى لو استولت على بخارى».
وواصل فمبيري الحديث في شأن الخطر الروسي مع الكثيرين من الساسة البريطانيين، منبهاً إياهم إلى ضرورة مواجهة هذا الخطر.
وسافر إلى باريس مزوداً برسالة توصية من الكونت Rehberg، وزير خارجية النمسا إلى الأمير مترنخ سفير النمسا لدى الإمبراطور نابليون الثالث، وبرسالة من كونت روششوار Rochechouart سفير فرنسا في طهران إلى كونت دلاين دلهويس Drouyn de L'huys وزير خارجية فرنسا. كما زوده أصدقاؤه الإنجليز برسائل توصية عند جيزو Guzot، وتثيير Thiers، وجول مول jules Mohl محقق ومترجم «شاهنامه» الفردوسي. فاستقبله هؤلاء استقبالاً حسناً. لكن أهم زيارة قام بها هي للإمبراطور نابليون الثالث، وكان قد قرأ كتابه بالإنجليزية. ويقول فمبيري إنه لاحظ أن الإمبراطور كان حسن الاطلاع على كتب الرومان وكتاب أريان عن الهند، لكنه كان جاهلاً بأحوال آسيا الوسطى المعاصرة.
وغادر باريس قافلاً إلى وطنه المجر من خلال المرور بألمانيا. وهنا انصرف إلى العمل العلمي والإنتاج الفكري. فبدأ بأن أصدر كتاباً بعنوان «دراسات لغوية عن لغة شغتاي»، وفيه نشر بعضاً من المخطوطات التي كان قد اشتراها من أسواق خيوهن وبخارى، ومشهد، وأضاف إليها معجماً تركياً شرقياً ومرادفاته بالفرنسية، والألمانية.
وتلا ذلك بكتاب عن لغة الأوريجوز، بعنوان: «آثار لغوية أوبجورية» على أساس مخطوط موجود في المكتبة الإمبراطورية في فيينا.
وبعد ذلك نشر عدة أبحاث، منها:
ـ «محاولة في وضع معجم اشتقاقي في اللهجات التركية التترية».
ـ «الثقافية الأولية» للشعب التركي التتري».
وقد نشرت في ألمانيا وفي المجر.
وكتب كتاباً بعنوان: «تاريخ بخارى وبلاد ما وراء النهر» وآخر عن «أصل أهل المجر».