ا |ب |ت |ث |ج |ح |خ |د |ذ |ر |ز |س |ش |ص |ض |ط |ظ |ع |غ |ف |ق |ك |ل |م |ن |ه |و |ي
 طباعة

الزرقاء بنت عدي الكوفية

المصدر: أعلام النساء، عمر رضا كحالة، 1959

من ربات الفصاحة والبلاغة والعقل والرأي ناصرت علي بن أبي طالب يوم صفين ولما تم الأمر لمعاوية قال لأصحابه: أيكم يحفظ كلام الزرقاء؟ فقال القوم: كلنا نحفظه يا أمير المؤمنين. قال: فما تشيرون عليّ فيها؟ قالوا: نشير عليك بقتلها. قال: بئس ما أشرتم عليّ به أيحسن بمثلي أن يتحدث الناس أني قتلت امرأة بعد ما ملكت وصار الأمر لي. ثم دعا كاتبه في الليل فكتب إلى عامله في الكوفة أن أوفد إلي الزرقاء ابنة عدي مع ثقة من محرمها وعدة من فرسان قومها ومهد لها وطاء واسترها بستر حصيف. فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها فاقرأها الكتاب. فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طاعته وإن كان أمير المؤمنين جعل المشيئة إلي فإني لآتية من بلدي هذا وإن كان حكم الأمر فالطاعة له أولى بي. فحملها في هودج وجعل غشاءه حبراً مبطناً بعصب اليمن ثم أحسن صحبتها. فلما قدمت على معاوية قال لها: مرحباً وأهلاً خير مقدم قدمه وافد كيف حالك يا خالة وكيف رأيت مسيرك؟ قالت خير مسير كأني كنت ربيبة بيت أو طفلاً ممهداً. قال: بذلك أمرتهم. فهل تعلمين لم بعثت إليك؟ قالت: سبحان الله أنى لي بعلم ما لم أعلم وهل يعلم ما في القلوب إلا الله. قال: بعثت إليك أن أسألك ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصفين توقدين الحرب وتحرضين على القتال فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين إنه قد مات الرأس وبتر الذنب والدهر ذو غير ومن تفكر أبصر والأمر يحدث بعده الأمر. قال لها: صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟ فقالت: ما أحفظه. قال: ولكني والله أحفظه لله أبوك لقد سمعتك تقولين: أيها الناس إنكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن المحجة فيا لها من فتنة عمياء صماء تسمع لناعقها ولا تسلس لقائدها إن المصباح لا يضيء في الشمس وإن الكواكب لا تنير مع القمر وإن البغل لا يسبق الفرس وإن الزف لا يوازن الحجر ولا يقطع الحديد إلا الحديد ألا من استرشدنا أرشدناه ومن استخبرنا أخبرناه إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار فكان قد اندمل شعب الشتات والتأمت كلمة العدل وغلب الحق باطله فلا يعجلن أحد فيقول كيف العدل وأنى. ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ألا إن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء والصبر خير عواقب الأمور إيهاً لحرب قُدُماً غير ناكصين ولا متشاكسين فهذا يوم له ما بعده. ثم قال معاوية: والله يا زرقاء لقد شركت علياً في كل دم سفكه. فقالت: أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين وأدام سلامتك مثلك من بشر بخير وسر جليسه. قال لها: وقد سرك ذلك؟ قالت: نعم. والله لقد سرني قولك فأنى لي بتصديق الفعل. فقال معاوية: والله لوفاؤكم له بعد موته أحب إلي من حبكم له في حياته اذكري حاجتك. قالت: يا أمير المؤمنين إني قد آليت على نفسي أن لا أسأل أميراً أعنت عليه شيئاً أبداً ومثلك أعطى من غير مسألة وجاد عن غير طلب. قال: صدقت فأقطعها ضيعة أغلتها في أول سنة عشرة آلاف درهم وأحسن رفدها وردها والذين معها مكرمين وكتب إلى والي الكوفة بالوصية بها وبعشيرتها.