ا |ب |ت |ث |ج |ح |خ |د |ذ |ر |ز |س |ش |ص |ض |ط |ظ |ع |غ |ف |ق |ك |ل |م |ن |ه |و |ي
 طباعة

عائشة بنت أبي بكر الصدّيق:

المصدر: أعلام النساء، عمر رضا كحالة، 1959


كبيرة محدثات عصرها ونابغته في الذكاء والفصاحة والبلاغة فكانت عاملاً كبيراً ذا تأثير عميق في نشر تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم ولدت بمكة في السنة الثامنة أو نحوها قبل الهجرة. ولما توفيت خديجة أم المؤمنين حزن عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً حتى خشي عليه. ولما خفت وطأة الحزن عليه شرع يختلف إلى بيت أبي بكر الصديق ويقول: يا أم رومان استوصي بابنتك عائشة خيراً واحفظيني فيها. فكان لعائشة بذلك منزلة عند أهلها. فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في بعض ما كان يأتيهم وكان لا يخطئه يوماً واحداً أن يأتي إلى بيت أبي بكر منذ أسلم أبو بكر إلى أن هاجر فوجد عائشة مستترة بباب دار أبي بكر تبكي بكاء حزيناً فسألها فشكت أمها فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل على أم رومان فقال: يا أم رومان ألم أوصك بعائشة أن تحفظيني فيها. فقالت: يا رسول الله بلغت الصديق عني وأغضبته علينا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم وإن فعلت. قالت أم رومان: لا جرم لا أسوءنها أبداً. ثم جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ألا تتزوج؟ قال: ومن؟ قالت: إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً. فقال: من البكر ومن الثيب؟ قالت: أما البكر فابنة أحب الخلق إليك عائشة بنت أبي بكر. وأما الثيب فسودة بنت زمعة قد آمنت بربك واتبعتك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاذكريهما علي. فأتت خولة أم رومان فقالت لها: يا أم رومان وماذا أدخل الله عليكم من الخير؟ قالت: وما ذلك؟ فقالت خولة: رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر عائشة. فقالت لها أم رومان: انتظري فإن أبا بكر آت. فجاء أبو بكر فذكرت ذلك. فقال: أوتصلح له وهي ابنة أخيه؟ فبلغ ذلك رسول الله فقال: أما أنا أخوه وهو أخي وابنته تصلح لي فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر. فقال أبو بكر: يا رسول الله قد كنت وعدت بها أو ذكرتها لمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف لابنه جبير فأتى أبو بكر المطعم فقال: ما تقول في أمر هذه الجارية؟ فأقبل المطعم على امرأته فقال: ما تقولين؟ فأقبلت امرأة المطعم على أبي بكر فقالت: لعلنا إن أنكحنا هذا الصبي إليك تصبيه وتدخله في دينك والذي أنت عليه. ثم قال أبو بكر للمطعم: ما تقول أنت؟ فقال: إنها لتقول امرأتي ما تسمع. فقام أبو بكر ليس في نفسه من الوعد شيء. فقال أبو بكر لخولة: قولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فليأت. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فعقد على عائشة وأصدقها أربعمائة درهم. وفي رواية عطية على متاع بيت قيمته خمسون أو نحو من خمسين. وذلك بمكة في شوال قبل الهجرة لثلاث سنين وهي بنت ست سنين. وفي رواية أنها كانت بنت سبع سنين وفي أخرى أنها أكملت السادسة ودخلت في السابعة وبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت تسع بالمدينة في شوال في السنة الأولى من الهجرة ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة خلف عائشة وبناته في مكة. فلما قدم المدينة بعث زيد بن حارثة ومعه أبا رافع مولاه وأعطاهما بعيرين وخمسمائة ألف درهم أخذها رسول الله من أبي بكر ليشتريا بها ما يحتاجان إليه. وبعث أبو بكر معهما عبد الله بن أريقط الديلي ببعيرين أو ثلاثة وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر يأمره أن يحمل أهله أم رومان وعائشة وأختها أسماء بنت أبي بكر فخرجوا مصطحبين فلما انتهوا إلى قُدَيْد اشترى زيد بن حارثة بتلك الخمسمائة ثلاثة أبعرة ثم رحلوا من مكة جميعاً وصادفوا طلحة بن عبيد الله يريد الهجرة بآل أبي بكر فخرجوا جميعاً وخرج زيد بن حارثة وأبو رافع وأم كلثوم وسودة بنت زمعة وحمل زيد أم أيمن وأسامة بن يزيد وخرج عبد الله بن أبي بكر بأم رومان وأختيه وخرج طلحة بن عبيد الله واصطحبهم جميعاً فلما قدموا المدينة نزلوا في دار بني الحارث بن الخزرج. وبينا عائشة ترجح بين عذقين وهي ابنة تسع فجاءت أمها فأنزلتها ثم مشت بها حتى انتهت بها إلى الباب فمسحت وجهها بشيء من ماء وفرقت جميمة كانت لها ثم دخلت بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر فأسلمتها إليهن فأصلحن من شأنها. ثم بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت أحظى نساءه لديه وأحبهن إليه. فقد حدث عمرو بن العاص أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال: أبوها. قال: ثم من؟ قال: عمر. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. فقيل: لا نعني أهلك. قال: أبو بكر. وعلم المسلمون بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة. فكان أحدهم إذا أراد أن يهدي هدية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرها حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة بعث صاحب الهدية بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة فدبت الغيرة في حزب أم سلمة الذي كان يتألف من سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما خلا حفصة وصفية وسودة فإنهن من حزب عائشة أم المؤمنين فقلن لأم سلمة: إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريد عائشة فكلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث ما كان أو حيث ما دار صلى الله عليه وسلم. فذكرت أم سلمة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنها ولم يقل لها شيئاً. فسألنها فقالت: ما قال لي شيئاً. فقلن لها: كلميه حتى يكلمك. فجاءته فكلمته فدار إليها ثم كلمته حتى دار إليها أيضاً. ثم قال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها. فقالت: أتوب إلى الله من ذلك يا رسول الله. ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها فاستأذنت عليه وهو مضطجع معها في مرطها فأذن لها. فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة. وعائشة ساكتة. فقال لها رسول الله: أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ قالت: بلى. قال: فأحبي هذه. فقامت فاطمة لما سمعت ذلك من رسول الله فخرجت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتهم بالذي قالت وبالذي قال. فقلن ما نراك أغنيت عنا من شيء فارجعي إلى رسول الله فقولي له: إن نساءك ينشدنك العدل وابنة أبي قحافة. فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبداً. فعمد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلن زينب بنت جحش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي التي كانت تسامي عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت على رسول الله فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة ووقعت في عائشة واستطالت وعائشة ترقب طرف رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أذن لها فلم تبرح حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن تنتصر فلما وقعت زينب بها لم تنشب عائشة حتى أفحمتها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها ابنة أبي بكر. ومن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة أنه صلى الله عليه وسلم دعا لها فقال: اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر وما أعلنت. فضحكت عائشة حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيسرك دعائي؟ فقالت: وما لي لا يسرني دعاؤك؟ فقال صلى الله عليه وسلم إنها لدعائي لأمتي في كل صلاة. وفي رواية أن عائشة قالت: بأبي وأمي يا رسول الله ادع الله يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم اغفر لعائشة بنت أبي بكر مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنباً ولا تكسب بعدها خطيئة ولا إثماً. وقال رسول الله: أفرحت يا عائشة؟ فقالت: إي والذي بعثك بالحق. فقال: أما والذي بعثني بالحق ما خصصتك بها من بين أمتي وإنها لصلاتي لأمتي بالليل والنهار فيمن مضى منهم ومن بقي إلى يوم القيامة وأنا أدعو لهم والملائكة يؤمنون على دعائي. ومن محبته صلى الله عليه وسلم أنه كان بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم كلام فقال لها: من ترضين بيني وبينك أترضين بعمر؟ قالت: لا أرضى عمر قط عمر غليظ. قال: أترضين بأبيك بيني وبينك؟ قالت: نعم. فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن هذه من أمرها كذا. قالت عائشة: اتق الله ولا تقل إلا حقاً. فرفع أبو بكر يده فرثم أنفها فولت عائشة هاربة منه فلزقت بظهر النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أقسمت عليك لما خرجت فإنا لم ندعك لهذا. فلما خرج أبو بكر قامت عائشة فتنحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أدني مني. فأبت أن تفعل. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لقد كنت قبل شديدة اللزوق بظهري. ومن محبته صلى الله عليه وسلم لعائشة أنه لما نزل به مرضه الذي توفي فيه دعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة فأذن له أزواجه أن يكون حيث أحب. وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يدور في نسائه ويقول: أين أنا غداً أين أنا غداً حرصاً على بيت عائشة. فتوفي في بيتها ورأسه صلى الله عليه وسلم بين سحرها ونحرها. وسمعت أم سلمة الصرخة على عائشة فأرسلت جاريتها لتنظر ما صنعت. فجاءت فقالت: قد قضت. فقالت أم سلمة: والذي نفسي بيده لقد كانت أحب الناس كلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أباها. وقال أنس: أول حب كان في الإسلام حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كيف حبك لي؟ قال: كعقدة الحبل. فكانت تقول: كيف العقدة يا رسول الله؟ فيقول: هي حالها. ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة بأسير فلهت عنه بنسوة عندها حتى خرج الأسير فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج فأمر الناس بطلبه فلم ينشبوا أن جاؤا به فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة تقلب يديها فقال: ما لك؟ قالت: دعوت علي يا رسول الله فأنا أنتظر متى يكون. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع يديه مداً ثم قال: اللهم إنما أنا بشر وآسف وأغضب كما يغضب البشر فأيما مؤمن ومؤمنة دعوتك عليه بدعوة فاجعلها عليه زكاة وطهوراً. وقدر المسلمون حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة حق قدره فأعطى عمر بن الخطاب أمهات المؤمنين عشرة آلاف لكل امرأة منهن غير ثلاث نسوة وفضل عائشة بألفين لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها. وأرسل زياد بن سمية مع عمرو بن الحارث بهدايا وأموال إلى أمهات المؤمنين وأرسل إلى أم سلمة وصفية يعتذر إليهما بفضل عائشة. فقالتا: لئن فضلها لقد كان من هو أشد علينا تفضيلاً منه يفضلها. ونال رجل من عائشة عند عمار بن ياسر فقال له عمار: اغرب مقبوحاً منبوحاً أتؤذي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما كبرت سودة بنت زمعة جعلت يومها وليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة. فقالت يا رسول الله: جعلت يومي منك لعائشة. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة. وكذلك وهبت صفية أم المؤمنين يومها لعائشة على أن ترضي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلت عائشة ذلك اليوم فأخذت خماراً لها قد ثردته بزعفران فرشته بالماء ليذكي ريحه ثم لبست ثيابها ثم انطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعت طرف الخباء. فقال لها: ما لك يا عائشة إن هذا ليس بيومك. فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فقال: مع أهله. (الحديث). وكانت عائشة تفخر على أزواج النبي بعشر خصال لم يعطهن ذات خمار قبلها. فقالت: صورت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أصور في رحم أمي وتزوجني بكراً ولم يتزوج بكراً غيري وكان ينزل عليه الوحي وهو بين سحري ونحري ونزلت براءتي من السماء وكنت أحب الناس إليه صلى الله عليه وسلم وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري ولم ينكح امرأة أبواها مهاجران غيري وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه وقبض الله نفسه وهو بين نحري وسحري ومات الليلة التي كان يدور علي فيها ودفن في بيتي. وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أرأيت لو نزلت وادياً فيه شجرة قد أكل الناس منها ووجدت شجرة لم يؤكل منها في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: في التي لو يرتع منها. تريد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها. وقالت للنبي صلى الله عليه وسلم ودخل عليها أين كنت يا رسول الله؟ قال: كنت عند أم سلمة. قالت: أما تشبع. فتبسم. فقالت: يا رسول الله: لو مررت بقدوتين أحدهما عافية لم يرعها الناس أحد وأخرى قد رعاها الناس أيهما كنت تنزل؟ قال: بالعافية التي لم يرعها الناس. قالت: فلست بأحد من نسائك. وأما عائشة فقد كانت تحب الرسول صلى الله عليه وسلم حباً عظيماً. فأتاها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سأعرض عليك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي به حتى تشاوري أبويك. فقالت عائشة: وما هذا الأمر؟ فتلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم "يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تُردن الحياة الدنيا وزينتها.. إلى قوله فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً" فقالت عائشة: في أي ذلك تأمرني أن أشاور أبوي وقد أعلم والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقك. بل أريد الله ورسوله والدار الآخرة. فسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وأعجبه وقال: سأعرض على صواحبك ما عرضت عليك فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهن كما قال لعائشة ثم يقول: قد اختارت عائشة الله ورسوله والدار الآخرة. ولا جرم أن ذلك الحب العظيم الذي كان يبديه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة أم المؤمنين قد أذكى نار الغيرة في أفئدة بعض أزواجه وامتد لهيبها إلى ابنته فاطمة وزوجها علي ين أبي طالب عليهما السلام فحركت في نفسيهما ذكرى خديجة أم المؤمنين ومكانتها العظمى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تلاقي عائشة من المحبة والمكان الرفيع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبلغ التطاحن بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أشده فقد ذكر الزركشي أن عائشة وحفصة كانتا متحابتين وكانت أم سلمة وسودة تنشد: عدي وتيم تبتغي من تحالف. فقالت عائشة: ما تعرض إلا بي وبك يا حفصة فإذا رأيتني قد قمت فأخذت برأسها فأعينيني فقامت فأخذت برأسها. وقامت حفصة فأعانتها. وجاءت أم سلمة فأعانت سودة. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأُخبر وقيل: أدرك نساءك يقتتلن. فقال: ويحكن ما لكن؟ فقالت عائشة: يا رسول الله ألا تسمعها تقول عدي وتيم تبتغي من تحالف. فقال: ويحكن ليس عديكن ولا تيمكن إنما هو عدي لهم وتيم لهم. وجاء النبي صلى الله عليه وسلم عند جنح الليل إلى بيت عائشة وكانت أم سلمة فيه فذكر عائشة شيئاً صنعه بيده وجعل لا يفطن لأم سلمة وجعلت عائشة تومئ إليه حتى فطن. فقالت أم سلمة: أهكذا الآن أما كانت واحدة منا عندك إلا في خلابة كما أرى وسبت عائشة. وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ينهاها.. فتأبى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: سبيها فسبتها حتى غلبتها. فانطلقت أم سلمة إلى علي وفاطمة فقالت: إن عائشة سبتها وقالت لكم. فقال علي لفاطمة: اذهبي إليه فقولي إن عائشة قالت لنا وقالت لنا. فأتته فذكرت ذلك له. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم إنها حبة أبيك ورب الكعبة. فرجعت إلى علي فذكرت له الذي قال لها. فقال: أما كفاك الآن قالت لنا عائشة وقالت لنا حتى أتتك فاطمة فقلت لها إنها حبة أبيك ورب الكعبة. وكانت عائشة شديدة الغيرة فأتت أم سلمة بطعام في صحفة لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فجاءت عائشة مستترة بكساء ومعها فهر فكسرت الصحفة فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين فلقتي الصحفة وهو يقول: غارت أمكم غارت أمكم ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحفة عائشة فبعث بها إلى أم سلمة وأعطى صحفة أم سلمة إلى عائشة. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند عائشة ليلاً فغارت عليه فجاء ليرى ما تصنع ثم قال لها: ما لك يا عائشة أغرت؟ فقالت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك. وكانت عائشة تغار على اللاتي وهبن أنفسهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تقول: تهب المرأة نفسها. فلما أنزل الله عز وجل ترجي من تشاء وتؤوي إليك من تشاء الآية. قالت: ما ارى ربك الا يسارع لك في هواك يا رسول الله. وخرجت عائشة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وخرج معه نساؤه وكان متاع عائشة فيه خف وكان على جمل ناج وكان متاع صفية بنت حيي فيه ثقل وكان على جمل ثقال بطيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حولوا متاع عائشة على جمل صفية وحولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب. فلما رأت عائشة ذلك قالت: يا لعباد الله غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم عبد الله إن متاعك كان فيه خف وكان متاع صفية فيه ثقل فأبطأ الركب فحولنا متاعها على بعيرك وحولنا متاعك على بعيرها. فقالت عائشة: أليس تزعم أنك رسول الله؟ فتبسم وقال: أوفي شك أنت يا أم عبد الله. فعادت فقالت: أولست تزعم أنك رسول الله فهلا عدلت. فسمعها أبو بكر وكان فيه حدة فأقبل عليها ولطم وجهها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلاً أبا بكر. فقال: يا رسول الله أولم تسمع ما قالت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الغَيْر أن لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه. وغارت عائشة حتى من حبتها وصديقتها حفصة أم المؤمنين وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة على عائشة وحفصة فخرجتا معه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان بالليل سار مع عائشة فيتحدث معها. فقالت حفصة لعائشة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر؟ قالت: بلى فركبت عائشة على بعير حفصة وركبت حفصة على بعير عائشة. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير عائشة وعليه حفصة فسلم ثم سار معها حتى نزلوا. وافتقدته عائشة فغارت فلما نزلوا جعلت تجعل رجليها بين الإذخر وتقول: يا رب سلط علي عقرباً أو حية تلدغني، رسولك ولا أقول له شيئاً. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلو أو العسل وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فدخل على حفصة بنت عمر بن الخطاب فاحتبس عندها أكثر مما يحتبس عندهن. فسألت عائشة عن ذلك؟ فقيل لها: أهدت امرأة من قومها لها عكة عسل فسقت منه النبي صلى الله عليه وسلم شربة. فقالت عائشة: أما والله لنحتالن له. فقالت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك إذا دخل عليك فقولي له يا رسول الله أكلت مغافير فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل فقلي له جرست نحلة العرفط وسأقول له ذلك وقولي له أنت يا صفية. فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من سودة قالت: يا رسول الله أكلت مغافير؟ فقال: لا. قالت: فما هذه الريح الذي أجده منك؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل. قالت: جرست نحلة العرفط. فلما دخل على عائشة قالت له مثل ذلك فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك فلما دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي فيه. فقالت سودة: سبحان الله والله لقد حرمناه. فقالت لها عائشة: اسكتي. ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو عروس بصفية جئن نساء الأنصار فأخبرن عائشة عنها. فتنكرت عائشة وتنقبت فذهبت فنظرت. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أعين عائشة فعرفها فالتفت والتفتت عائشة فأسرعت المشي فأدركها فاحتضنها وقال: كيف أنت؟ فقالت: أرسلت يهودية وسط يهوديات. وجاءت زينب إلى بيت عائشة فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إليها. فقالت عائشة: هذه زينب فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم يده.